مع اقتراب انعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح، تعود الأسئلة الكبرى لتقف على أبواب الوجدان الفتحاوي، لا كهمسٍ عابر، بل كنداءٍ صريح يخرج من عمق التجربة ومن ذاكرة التضحيات. فهذه الحركة العظيمة التي وُلِدت من رحم العاصفة، والتي خطّت بدماء أبنائها ملامح المشروع الوطني الفلسطيني، ليست مجرد تنظيم سياسي عابر، بل هي فكرة تحرر ، وحالة نضالية اعمق مما يتخيل الكثيرون ، انها روح ثورية جماعية صنعتها البنادق والميادين قبل أن تصنعها القاعات والمؤتمرات.
في البدء رسخت حركة فتح مبدأ واضح ومقدس وهو أن الكادر المناضل هو القلب النابض للعاصفة وأن القواعد التنظيمية هي مصدر الشرعية والقرار . ومن هنا كانت المؤتمرات الداخلية ، في جوهرها، محطات للمراجعة والتجديد، وساحاتٍ تتجلى فيها إرادة المناضلين الذين حملوا الحركة على أكتافهم في أصعب المراحل.
لكن ما يؤلم القلب الفتحاوي اليوم أن بعض هذه المحطات تحوّل، في الوعي التنظيمي للكثيرين، إلى ما يشبه المؤتمرات المفصلة على مقاس اشخاص ومراكزة قوة لتكريس نتائج معلومة سلفًا؛ حيث تُهندس تركيبة المشاركين أحيانًا بطريقة تجعل صناديق الاقتراع مجرد إجراء شكلي، وليس مرآة صادقة لإرادة الكادر الثائر .
إن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس خسارة هذا الشخص أو صعود ذاك، ففتح لم تكن يومًا حركة اشخاص ، بل حركة قضية كبرى وعي دائما اكبر من كل الاسخاص مهما كانت مسمياتهم وصفاتهم . الخطر الحقيقي هو أن يشعر المناضل الفتحاوي، في المخيم والقرية والمدينة، أن صوته لم يعد قادرًا على التأثير، وأن موقعه في الحركة بات يُقاس بدرجة القرب من مراكز النفوذ لا بميزان العطاء والتاريخ النضالي والمبادرة التي تلتصق بالاهداف الكبرى لام الجماهير .
حين يحدث ذلك، تبدأ الشروخ الصامتة بالتسلل إلى الجسد التنظيمي. يتسع الفاصل ويعلو الجدار بين القاعدة والقيادة، وتتراجع ثقة الكادر بآليات العمل الداخلي، ويُفتح الباب أمام أزمات كان يمكن تفاديها لو بقيت المؤتمرات ساحات حقيقية للتنافس الشريف والاختيار الحر.
لقد كانت قوة فتح دائمًا في قدرتها على استيعاب التنوع داخلها، وبشجاعتها في مواجهة نفسها قبل مواجهة الآخرين. فالحركة التي أطلقت شرارة الثورة الفلسطينية المعاصرة لا يمكن أن تخشى من أصوات أبنائها وارادتهم ، ولا ينبغي أن تضيق بإرادة كوادرها الذين صنعوا مجدها في السجون والمخيمات وميادين الاشتباك.
واليوم، ونحن على أعتاب المؤتمر الثامن القادم لحركة فتح، فإن هذه اللحظة ليست لحظة حسابات ضيقة، بل لحظة تاريخية لاستعادة روح فتح الأولى بنبوءتها المقدسة ؛ روح الشجاعة والجرأة التنظيمية ، والإيمان بأن الديمقراطية الداخلية ليست تهديدًا للحركة، بل مصدر قوتها وتجددها وديموتها .
إن المؤتمر الثامن القادم ليس مجرد محطة تنظيمية عادية، بل امتحان حقيقي لقدرة الحركة على تجديد نفسها من داخلها. ففتح التي صمدت في وجه العواصف، وقدّمت قوافل الشهداء والأسرى، تستحق مؤتمرات تليق بتاريخها، مؤتمرات تُفتح فيها النوافذ للهواء الجديد، وليس مؤتمرات تُغلق فيها النتائج قبل أن تُفتح صناديق الاقتراع.
فالمستقبل الذي يليق بحركة فتح لا يُصنع خلف الكواليس، بل في وضح النهار، حيث يقف كل فتحاوي حرّ ليقول كلمته بثقة، وليشارك في رسم المستقبل الذي يليق بحركة صنعت تاريخها الثوري بإيمان فرسانها ، وستحفظ مكانتها بالطليعية بتكريس ديمقراطية المؤتمرات لتبقى قدوة ونموذج لكل الاجيال القادمة،،
يا فرسان فتح ان حركتنا قامت منذ اللحظة الاولى على ديمقراطية اطرها الداخلية ،،،وحماية الديمقراطية الفتحاوية هو واجب ثوري مقدس لكل المناضلين ،،،،









