عندما يبدأ الحليف الأكبر بطرح الأسئلة: هل تدخل العلاقة الأمريكية الإسرائيلية مرحلة جديدة؟

بقلم: المحرر محمد ابو التاج

لم يعد السؤال المطروح اليوم: هل تدعم الولايات المتحدة إسرائيل؟

فهذا أمر محسوم منذ عقود..

السؤال الحقيقي الذي بدأ يفرض نفسه بقوة هو.. هل ما زال الدعم الأمريكي لإسرائيل دعما مفتوحا بلا حدود، أم أن واشنطن بدأت للمرة الأولى تشعر أن السياسات الإسرائيلية أصبحت عبئا على المصالح الأمريكية نفسها؟

 

هذا السؤال لم يكن مطروحا بهذا الوضوح قبل سنوات.. فقد اعتادت إسرائيل أن تتعامل مع الدعم الأمريكي باعتباره حقا مكتسبا لا يمكن المساس به، بينما اعتادت الإدارات الأمريكية المتعاقبة على توفير الغطاء السياسي والعسكري والدبلوماسي لإسرائيل مهما كانت الظروف.

 

لكن ما جرى خلال السنوات الأخيرة، وخاصة منذ حرب الإبادة على غزة، كشف عن تحولات عميقة لم تعد قابلة للإخفاء.

لقد اعتقدت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة أن القوة العسكرية قادرة على حل كل شيء، وأن بإمكانها إدارة الصراع إلى ما لا نهاية، وتوسيع الاستيطان إلى ما لا نهاية، وفرض الوقائع على الأرض دون أن تدفع ثمنا سياسيا أو أخلاقيا أو استراتيجيا.

غير أن ما تجاهلته إسرائيل هو أن الدول العظمى لا تتحرك وفق العواطف، بل وفق المصالح.

والولايات المتحدة، مهما بلغت درجة التزامها بأمن إسرائيل، لا تستطيع تجاهل حقيقة أن صورة حليفتها تتعرض لتآكل غير مسبوق في الرأي العام العالمي، وأن الحرب الطويلة في غزة تحولت من قضية أمنية إلى أزمة أخلاقية وسياسية وقانونية عالمية.

 

الأمر لا يتعلق بحب الفلسطينيين أو كره الإسرائيليين، بل بحسابات القوة والنفوذ والمصالح.

فواشنطن تنظر اليوم إلى منطقة الشرق الأوسط بعين مختلفة.. الصين تتوسع اقتصاديا، وروسيا ما زالت لاعبا مؤثرا، والمنافسة الدولية تزداد حدة، بينما تستهلك الأزمات المرتبطة بإسرائيل قدرا متزايدا من الرصيد السياسي الأمريكي حول العالم.

لقد بات واضحا أن جزءا متزايدا من النخب الأمريكية، بما فيها شخصيات كانت تقليديا من أشد الداعمين لإسرائيل، بدأت تتساءل.. إلى أين تتجه إسرائيل؟ وهل ما تقوم به يخدم المصالح الأمريكية أم يضر بها؟

هذه ليست قطيعة بين واشنطن وتل أبيب، ومن الخطأ المبالغة في تصويرها كذلك.

فالتحالف بين الطرفين أعمق من أن ينهار بين ليلة وضحاها.

لكن الخطأ الأكبر هو الاعتقاد أن الأمور ستبقى كما كانت في الماضي.

 

ففي السياسة لا توجد علاقات ثابتة إلى الأبد، بل مصالح ثابتة تتغير أدوات حمايتها باستمرار.

وإذا كانت الولايات المتحدة قد أمضت عقودا وهي تطلب من العالم تفهم سياساتها تجاه إسرائيل، فإنها تجد نفسها اليوم مضطرة أكثر من أي وقت مضى إلى تفسير سياسات إسرائيل بنفسها.

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية..

إسرائيل لا تواجه فقط أزمة مع الفلسطينيين، ولا أزمة مع العالم العربي، ولا حتى أزمة مع الرأي العام العالمي.

إنها تواجه أزمة متصاعدة مع الرواية التي بنت عليها شرعيتها السياسية والأخلاقية لعقود طويلة.

وحين تبدأ هذه الرواية بالتصدع، يصبح من الصعب على أكثر الحلفاء إخلاصا الدفاع عنها بالأسلوب نفسه الذي كان ممكنا في السابق.

إن التحول الجاري لا يعني نهاية التحالف الأمريكي الإسرائيلي، لكنه قد يعني نهاية مرحلة تاريخية كاملة قامت على فكرة أن إسرائيل تستطيع أن تفعل أي شيء دون مساءلة أو حساب.

وهذه هي النقطة المفصلية التي ينبغي التوقف عندها..

فالأخطار التي تواجه إسرائيل اليوم لا تأتي فقط من الصواريخ أو من خصومها الإقليميين، بل من تراجع قدرتها على إقناع العالم بعدالة سياساتها، ومن اتساع الفجوة بينها وبين قطاعات متزايدة داخل المجتمعات الغربية نفسها.

لقد أثبت التاريخ أن الدول لا تسقط فقط عندما تهزم عسكريا، بل عندما تفقد قدرتها على إقناع الآخرين بشرعية ما تفعله.

ومن هنا فإن التحول الأهم ليس ما يجري في ساحات القتال، بل ما يجري في العقول ومراكز القرار والرأي العام.

هناك، تحديدا، بدأت المعركة الحقيقية..

وهناك أيضا قد تتحدد ملامح الشرق الأوسط خلال السنوات القادمة..

لقد تغير شيء عميق في المزاج الدولي، وبدأت واشنطن نفسها تسمع الأصوات التي كانت تتجاهلها سابقا.

وقد يكون هذا التحول بطيئا، وقد يتعرض للتراجع أو التعطيل، لكنه أصبح حقيقة سياسية لا يمكن إنكارها.

وحين يبدأ الحليف الأكبر بطرح الأسئلة، فإن ذلك يكون في كثير من الأحيان أكثر أهمية من كل الإجابات..