كثيرة هي أشكال الكذب والتضليل والتحايل، حتى على رب العالمين؛ عندما تُنسب له أمورٌ لا علاقة لها بالمقدس الإلهي، وتصبح المقدسات الدنيوية أكثر أهميةً من المقدسات الإلهية.
هذا ما يمارسه رجال وشيوخ الدين وجماعات الإسلام السياسي كافة. وقد استفاض في السنوات الأخيرة مفكرون ومثقفون ورجال دين متنورون في كشف هذا التوظيف البشع للدين لخدمة مصالح شخصية أو حزبية وأجندات سياسية خارجية.
ولكن ما استفزني هو توظيف الدجل الديني في القضية الفلسطينية، وكأنه لا يكفي شعب فلسطين -وخصوصاً في قطاع غزة- ما ابتُلي به من خطر صهيوني، ليأتي تجار وسماسرة الدين ليزيدوا من معاناته أو يوظفوها لمصالحهم الشخصية.
لم يقف الأمر عند توظيف الخطاب الديني لتشويه الثقافة الوطنية وتجهيل الناس بتاريخهم، والعيش في ماضٍ مُتخَيل، وشرعنة قتل المعارضين السياسيين بالزعم أن كل من يموت دفاعاً عن الحزب أو “الجماعة الإسلامية” أو العقيدة التي اختلقوها فهو شهيد وسيدخل الجنة وله فيها قصرٌ وسبعون امرأة! ولا يتوقف الأمر عند جمع مليارات الدولارات بحجة بناء مساجد تتحول لمراكز حزبية لبث الفتنة والتحريض على الخصوم وتجنيد الأطفال والمراهقين. بل إن بعض مشاريع بناء المساجد تتضمن وسائل نصب واحتيال مركبة؛ حيث يعتقد المتبرع أنه يحتال على الله ببناء مسجد مقابل محو ذنوبه، ويحتال متلقي الدعم على المتبرع . والأخطر من كل ذلك تحويل شعب فلسطين -وخصوصاً في غزة البئيسة والفقيرة- إلى مجموعات مرتزقة تعمل لصالح أجندات، إما “إخونجية” أو إيرانية أو تركية أو إسرائيلية بواجهة قطرية.
وكان آخر ما شاهدناه توزيع لباس محجبات و(إدناء) صلاة من متبرع “إسلاموي” على الفتيات حافظات القرآن -كما يزعمون- في قطاع غزة! وكأن كل متطلبات الحياة متوفرة، وكل متطلبات العبادة وما يتوافق مع الشرع قائم على أحسن وجه، ولا ينقص أهل القطاع إلا حفظ القرآن!.
وهنا أطرح التساؤلات التالية:
* الأول: من المعروف أن اللباس عند كل شعب جزء من ثقافته وهويته الوطنية، فلماذا يحل اللباس الأفغاني أو الباكستاني محل الثوب التقليدي الفلسطيني وهو أيضاً “مستور”؟ ومن قال إن هذا هو اللباس الإسلامي؟ وخصوصاً أن العدو الصهيوني -وفي سياق محاولته لطمس هويتنا وثقافتنا الوطنية- سرق الثوب الفلسطيني ونسبه لنفسه.
* الثاني: ما فائدة حفظ القرآن دون عقله وفهمه، وتحويله لسلوك بشري يتوافق مع القرآن نصاً وروحاً؟
* الثالث: حتى لو افترضنا أن كل أهالي فلسطين، بل وكل المسلمين، أصبحوا من حفظة كتاب الله، فهل سيكون حالهم أفضل؟
* الرابع: هل الآلاف من حفظة القرآن الذين كانت حماس تفتخر بهم استطاعوا حماية قطاع غزة، أو حتى حماية أنفسهم من الموت والجوع خلال حرب الإبادة؟
* الخامس: أليس من الأجدر لو أن هذه الجوائز والمكافآت المالية التي تُوزع على حفظة القرآن، وما يُنفق على المساجد والمبالغة في عددها وزخرفتها، وكذلك على الفضائيات الدينية… تم تحويلها -أو جزء منها- لبناء المدارس والمستشفيات؟
* السادس: حتى لو افترضنا أن كل النساء تحجبنَ وتبرقعن، والرجال أطلقوا لحاهم ولبسوا الجلباب الأفغاني وزينوه بالسبحة والمسواك وقضوا كل أوقاتهم في المساجد والصلاة على النبي… هل كل ذلك يعني أن رسالة الإسلام قد تحققت وأن رب العالمين راضٍ عما يحدث؟








