عندما يصبح السلاح هو القصة وتنسى بنية الاحتلال

بقلم نجيب الكمالي

رئيس الفرع اليمني للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين اصدقاء وحلفاء الصين

في كل مرة يطلق فيها صاروخ او تسمع رصاصة تتجه عدسات بعض الفضائيات الى مشهد واحد متكرر تكبير سلاح المقاومة باعتباره اصل الحكاية مقابل تقليص الاحتلال الى مجرد رد فعل او حق دفاع هذه ليست موضوعية اعلامية بل انحياز يقدم في قالب مهني
في مقاله الاخير يقدم الزميل عمران الخطيب قراءة لا تكتفى بقراءتها بقدر ما تربك الوعي السائد فهو لا يتعامل مع المقاومة كظاهرة منفصلة بل يعيدها الى سياقها الطبيعي بنية احتلالية ممتدة تشمل الاستيطان والتهجير والاعتقالات اليومية وهدم البيوت وتقطيع الجغرافيا الفلسطينية
لكن الخطيب لا يكتفي بتوصيف الواقع بل يضع يده على اخطر تحول الانزياح في الخطاب الاعلامي الذي جعل من الضحية طرفا دائما في الاتهام ومن الاحتلال واقعا شبه محايد فعندما يختزل الصراع في سلاح المقاومة يتم محو طبقات كاملة من التاريخ السياسي والانسان ويعاد تقديم المشهد كما لو ان العنف بدأ من فراغ
وهنا يبرز السؤال الذي لا يمكن تجاوزه
لماذا تستمر آلة الاحتلال في العمل بكامل قوتها في الضفة الغربية والقدس حيث لا توجد بنية مقاومة مسلحة مماثلة لغزة
هل يتغير المشهد حقا بتغير السلاح ام ان الجذر اعمق بكثير احتلال مستمر ينتج العنف ويعيد انتاجه
هذا السؤال يكشف خللا في بعض الخطابات الاعلامية التي لا تكتفي بنقل الحدث بل تعيد صياغته بما يخدم رواية واحدة وما يقدم على انه تحليل متوازن يتحول في كثير من الاحيان الى اعادة انتاج منظور الطرف الاقوى مع اغفال السياق البنيوي للصراع
ومن هنا يستعيد المقال جوهر القضية بعيدا عن التبسيط القضية الفلسطينية ليست ملفا امنيا ولا مواجهة عسكرية مجردة بل قضية شعب يعيش تحت احتلال ممتد تفرض عليه معادلة قسرية بين الاستسلام او المقاومة واي قراءة تفصل الفعل عن سببه البنيوي تقع في اختزال مخل للواقع
وفي مستوى اعمق يضعنا هذا الطرح امام سؤال اخلاقي في صميم العمل الاعلامي
هل يمكن للاعلام ان يقف على مسافة واحدة بين قوة احتلال وشعب واقع تحت السيطرة
ان الحياد حين يفهم كحياد شكلي قد يتحول الى توازن زائف بين غير متكافئين بينما جوهر المهنية يقتضي فهم السياق لا مجرد توزيع المسافات
قوة مقال عمران الخطيب لا تكمن في تقديم اجابات نهائية بل في فتح اسئلة جوهرية حول طريقة بناء الوعي الاعلامي وكيف يعاد تشكيل الادراك العام للصراعات عبر الانتقاء والتأطير
وفي النهاية تبقى الخلاصة اكثر وضوحا من اي تبسيط
حين يختزل الصراع في سلاح تمحى الجغرافيا والتاريخ والانسان
وحين يختزل الاعلام في رواية واحدة تطمس الحقيقة لصالح سردية جاهزة
والخطر الاكبر ليس في تعدد الروايات بل في الرواية التي تقدم كأنها الواقع الوحيد
نعم يمكن الاختلاف حول ادوات المقاومة او اشكالها لكن لا يمكن اختزال احتلال ممتد في سلاح منفصل عن سياقه ثم تقديم ذلك باعتباره تحليلا متوازنا