بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.
ليس عنفُ التحرر مفهوماً يُختزل في اشتباك القوة بالقوة، بل إشكاليةٌ فلسفية وأخلاقية تتقاطع فيها مقاومة الهيمنة مع الحق في الحرية، وتتصارع في فضائها عدالةُ الغاية مع مشروعية الوسيلة. فمنذ أن واجهت الشعوب الاستعمار والاضطهاد، ظل السؤال قائماً: هل يمكن للعنف أن يكون جسراً إلى التحرر، أم أنه قد يعيد إنتاج القهر بأقنعة جديدة؟ وبين أطروحات فانون وغاندي وأرندت، تتكشف معضلة الإنسان في سعيه إلى انتزاع حريته دون أن يفقد جوهرها، وتغدو المسألة أبعد من تبرير القوة أو إدانتها، لتصبح بحثاً في حدود المقاومة، وكرامة الإنسان، وشروط بناء حرية لا تستبدل مستعمِراً بآخر، ولا تجعل من التحرر اسماً جديداً للهيمنة.
عنف التحرر هو استخدام القوة أو الإكراه في سياق مقاومة شعبٍ للاحتلال أو الاستعمار أو الاضطهاد، بهدف انتزاع الحرية واستعادة الحقوق وتقرير المصير. وهو مفهوم سياسي وفلسفي وأخلاقي، يثير أسئلة عميقة حول مشروعية المقاومة، وحدود القوة، والعلاقة بين الوسيلة والغاية.
١_ عنف التحرر في الفكر الفلسفي والسياسي.
تناول عدد من المفكرين هذه المسألة من زوايا مختلفة:
_ فرانتز فانون: رأى، في كتابه معذبو الأرض، أن الاستعمار نظام عنيف يفرض إخضاعه بالقوة، وأن مقاومته قد تتخذ أشكالاً عنيفة في سياق استعادة المستعمَر لفاعليته وكرامته. وقد أثارت أطروحته نقاشاً واسعاً حول دور العنف في التحرر وآثاره النفسية والاجتماعية.
_ كارل ماركس: حلّل العنف في سياق الصراع الطبقي والتحولات التاريخية، ورأى أن القوة قد تؤدي دوراً في تفكيك علاقات الهيمنة، من دون أن يعني ذلك أن كل استخدام للعنف مشروع أخلاقياً.
_ حنة أرندت: ميّزت بين القوة، التي تنشأ من الفعل الجماعي والقبول السياسي، والعنف، الذي يعتمد على أدوات الإكراه. ونبّهت إلى أن العنف قد يهدم سلطة قائمة، لكنه لا يستطيع وحده تأسيس شرعية سياسية مستدامة.
_ مهاتما غاندي: دافع عن المقاومة اللاعنفية، مؤكداً أن مقاومة الظلم لا تستلزم بالضرورة استخدام القوة الجسدية، وأن العصيان المدني قد يتحول إلى وسيلة فعّالة لمواجهة الهيمنة.
٢_ هل كل عنف تحرري مشروع؟
هنا تكمن المسألة الأكثر حساسية؛ إذ ينبغي التمييز بين عدالة القضية ومشروعية الوسيلة. فوجود احتلال أو اضطهاد لا يجعل كل فعل يُرتكب باسمه مشروعاً تلقائياً.
يمكن تحليل العنف المرتبط بحركات التحرر وفق معايير أساسية:
_ الغاية: هل يستهدف إنهاء الهيمنة واستعادة الحقوق، أم الانتقام والسيطرة على الآخرين؟
_ الأهداف: هل يوجَّه إلى أهداف عسكرية مشروعة، أم يستهدف المدنيين بسبب هويتهم؟
_ الضرورة والتناسب: هل تُراعى الضرورة والقيود التي تحمي الإنسان من الأذى غير المبرر؟
_ النتائج: هل يفتح الطريق أمام الحرية والعدالة، أم يعيد إنتاج القمع بأدوات جديدة؟
_ المساءلة: هل تقبل الحركة التحررية محاسبة أفرادها على الانتهاكات؟
ومن منظور القانون الدولي الإنساني، لا يجوز استهداف المدنيين عمداً، ولا تبرر عدالة قضية سياسية انتهاك قواعد حماية المدنيين. كما أن توصيف النزاع بأنه تحرري لا يلغي الالتزامات القانونية للأطراف المعنية.
٣_ عنف التحرر في المجال الفلسطيني.
في الحالة الفلسطينية، يرتبط النقاش بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير ومقاومة الاحتلال، وبالتجربة التاريخية للاستعمار والتهجير ومصادرة الأرض.
لكن التحليل الدقيق يقتضي عدم الخلط بين ثلاثة أمور:
_ حق الشعب في تقرير المصير، وهو حق معترف به في القانون الدولي.
_ مقاومة الاحتلال، وهي مسألة سياسية وقانونية تتحدد وسائلها المشروعة وفق القواعد الدولية ذات الصلة.
_ استهداف المدنيين أو ارتكاب انتهاكات بحقهم، وهي أفعال لا تصبح مشروعة لمجرد وقوعها في سياق مقاومة الاحتلال.
وبذلك، لا يُختزل التحرر في امتلاك القدرة على استخدام القوة، بل يُقاس أيضاً بقدرته على حماية الإنسان، وصون الكرامة، وبناء مجتمع لا يعيد إنتاج الظلم الذي قاومه.
٤_ المفارقة الفلسفية لعنف التحرّر
تظهر المفارقة حين يستخدم المقهور القوة لكسر منظومة القهر، ثم يواجه خطر التحول إلى صورة جديدة منها. فهل يستطيع العنف أن يفتح باب الحرية من دون أن يستولي على روحها؟ وهل يمكن لثورة أن تنتصر على المستعمِر، ثم تخسر بعض مبادئها في صراع أبنائها على السلطة؟
هذه الأسئلة ليست تبريراً للاستعمار، ولا إنكاراً لحق الشعوب في التحرر؛ إنها محاولة لفهم المسؤولية الأخلاقية التي ترافق النضال، ولإدراك أن تحرير الأرض ينبغي أن يقترن بتحرير الإنسان من الخوف والإذلال والإقصاء.
الخلاصة: عنف التحرر مفهوم يصف استخدام القوة في سياق مقاومة الهيمنة، لكنه ليس حكماً أخلاقياً يمنح كل فعل شرعية مسبقة. فعدالة التحرر تتصل بعدالة الغاية، ومشروعية الوسائل، واحترام الإنسان، والقدرة على تأسيس حرية لا تتحول إلى قهر جديد.