جاري التحميل...

عن أي انتخابات تتحدثون؟؟

“” كتب معروف الرفاعي “”

عن أي انتخابات تتحدثون؟

أي انتخابات تريدون من المواطن الفلسطيني أن يذهب إليها، فيما هو لا يستطيع أن يصل إلى منزله؟

أي انتخابات تتحدثون عنها، ونحن ننام على الحواجز، ونقضي ساعات طويلة عالقين في مركباتنا، وننتظر أن يقرر جندي عند حاجز عسكري إن كان سيسمح لنا بالعبور أم لا؟

عن أي انتخابات تتحدثون، والمواطن غير آمن على بيته، وأرضه، وأغنامه، ومزرعته، وأشجاره، وأطفاله؟

السؤال ليس تهربًا من الانتخابات، ولا رفضًا للديمقراطية، ولا استخفافًا بصندوق الاقتراع. السؤال أبسط من ذلك بكثير: *كيف سيصل الناخب إلى صندوق الاقتراع إذا كان لا يستطيع الوصول إلى منزله أصلًا؟*

كيف سيذهب الطالب إلى جامعته ومدرسته إذا كانت الطرق مغلقة؟

كيف سيصل الموظف إلى مكان عمله؟

كيف سيصل المزارع إلى أرضه؟

وكيف ستصل العائلات إلى بعضها البعض؟

وكيف نطلب من المواطن أن يمارس حقه الديمقراطي، بينما حقه الأساسي في الحركة والتنقل محاصر بالحواجز والبوابات والإغلاقات؟

في الأيام الأخيرة، لم تعد الحواجز مجرد نقاط تفتيش عابرة في حياة الفلسطينيين، بل أصبحت واقعًا يوميًا يعيد رسم تفاصيل حياتنا: طريق يُغلق، وبوابة تُقفل، وحاجز يُشدّد عليه، وطابور من المركبات يمتد عشرات الكيلومترات، ومواطن ينتظر ساعات، وآخر ينام في سيارته لأنه لم يتمكن من الوصول إلى بيته. وقد تكرر ذلك مؤخرًا عند حاجز جبع، الذي شهد إغلاقات وأزمات مرورية خانقة أعاقت حركة المواطنين.

*فهل المطلوب من الفلسطيني أن يذهب إلى صندوق الاقتراع، أم أن يقضي ليلته على الحاجز؟*

عن أي انتخابات تتحدثون وأنتم غير قادرين حتى على فتح حاجز جبع، الذي يشكل شريانًا حيويًا للحركة بين القدس ومحيطها ومناطق واسعة من الضفة؟

وعن أي انتخابات نتحدث، بينما تُغلق المداخل، وتُقطع الطرق، ويُمنع المواطن من الوصول إلى منزله، ويُحرم عشرات الطلبة من الوصول إلى مدارسهم، كما حدث في مناطق من القدس خلال إغلاق حاجز الشيخ سعد؟

لقد أصبح المشهد أكثر قسوة من أن يُختصر في كلمة “انتخابات”.

هناك فلسطيني يريد أن يصل إلى بيته قبل حلول الظلام.

وهناك أم تريد أن تطمئن على أبنائها.

وهناك طالب يخشى ألا يصل إلى جامعته.

وهناك مزارع يريد الوصول إلى أرضه قبل أن يجف محصوله أو تُقتلع أشجاره.

وهناك موظف لا يعرف إن كان سيتمكن من العودة إلى بيته في نهاية يوم العمل.

وهناك عائلة لا تعرف إن كانت ستتمكن من زيارة أقاربها في البلدة أو القرية المجاورة.

*هذه هي حياة الناس التي يجب أن نراها قبل أن نتحدث عن صناديق الاقتراع.*

الديمقراطية ليست صندوقًا فقط.

الديمقراطية أيضًا أن يستطيع المواطن الوصول إلى الصندوق.

وأن يكون قادرًا على العودة منه.

وأن يشعر أن الطريق بين منزله ومركز الاقتراع ليس منطقة مجهولة تتحكم فيها الحواجز العسكرية.

وأن لا يخشى أن يغلق الحاجز بعد أن خرج من بيته، أو أن يتعرض أطفاله للخطر في طريق المدرسة، أو أن يتوقف مستقبل أبنائه بسبب بوابة حديدية.

لقد وثقت الأمم المتحدة في تقاريرها وجود مئات عوائق الحركة التي تقيد تنقل الفلسطينيين في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، من حواجز وبوابات وإغلاقات وعوائق طرق.

وهنا يصبح السؤال أكبر من الانتخابات نفسها:

*هل يمكن أن نتحدث عن عملية ديمقراطية طبيعية في بيئة لا يستطيع فيها المواطن أن يتحرك بحرية وأمان؟*

إذا أردتم انتخابات، فابدؤوا من الطريق إلى الانتخابات.

افتحوا الطرق.

أزيلوا الحواجز.

افتحوا المداخل.

دعوا الناس يصلون إلى بيوتهم.

دعوا أبناءنا يصلون إلى مدارسهم وجامعاتهم.

دعوا الموظف يصل إلى مكان عمله ويعود إلى عائلته.

دعوا المزارع يصل إلى أرضه.

دعوا المواطن يعيش يومه الطبيعي دون أن يضع في حساباته عشرات الاحتمالات المتعلقة بالحاجز والبوابة والجندي والمستوطن.

بعد ذلك تحدثوا معنا عن الانتخابات.

أما أن نطلب من المواطن أن يمارس أعلى درجات المشاركة السياسية، بينما يُحرم من أبسط حقوقه اليومية في الحركة والأمان، فهذا يجعل السؤال مشروعًا:

*عن أي انتخابات تتحدثون؟*

نحن لا نقول إن الديمقراطية لا قيمة لها.

بل نقول إن *الديمقراطية لا تعيش في الفراغ*.

هي تحتاج إلى مواطن يستطيع الحركة، وإلى مجتمع يستطيع التواصل، وإلى طرق مفتوحة، وإلى حد أدنى من الأمان، وإلى بيئة يستطيع فيها الإنسان أن يصل إلى مركز الاقتراع دون أن يكون وصوله نفسه مغامرة.

ولذلك، قبل أن تسألوا المواطن عن قائمته الانتخابية، اسألوه أولًا:

هل استطعت اليوم أن تصل إلى بيتك؟

هل استطاع ابنك أن يصل إلى مدرسته؟

هل استطاع ابنك الآخر أن يصل إلى جامعته؟

هل استطعت الوصول إلى أرضك؟

هل تستطيع أن تضمن أن الطريق أمامك سيبقى مفتوحًا غدًا؟

*إذا كانت الإجابة “لا”، فاسمحوا لنا أن نسأل مرة أخرى: عن أي انتخابات تتحدثون؟*

افتحوا لنا الحواجز أولًا.

أزيلوا القيود عن طرقنا.

دعونا نصل إلى بيوتنا بأمان.

دعوا أطفالنا يصلون إلى مدارسهم دون خوف.

دعوا جامعاتنا ومؤسساتنا وأعمالنا تستعيد شيئًا من حياتها الطبيعية.

ثم تحدثوا معنا عن صناديق الاقتراع.

أما أن نبقى محاصرين على الطرق، وننام على الحواجز، ونخاف على بيوتنا وأراضينا وأبنائنا، ثم يُطلب منا أن نعيش ديمقراطية كاملة فوق هذا الواقع المختنق، فهذه ليست المسألة التي تشغل المواطن اليوم.

*المواطن يريد أن يصل إلى بيته أولًا.*

ثم لكل حادث حديث.

وربما، في لحظة من شدة القهر، يقول المواطن:

*سامحونا في الانتخابات كلها… فقط افتحوا لنا الطريق إلى بيوتنا.*