العلاقات الاستراتيجية بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل مازالت وستبقى تحمل طابعها المركزي بين البلدين، بين السيد والتابع، بغض النظر استمرت المساعدات العسكرية الأمنية أم تقلصت، الى اللحظة التي تصبح فيها الدولة الإسرائيلية عبئا فوق الطاقة الأميركية، ولا تعود لها ذات الأهمية الاستراتيجية في خدمة المصالح الحيوية الأميركية في الوطن العربي وإقليم الشرق الأوسط، أو في حال تعاظم التحول في الرأي العام الأميركي المناهض لإسرائيل، وترك أثرا قويا على صانع القرار الاميركي. لأن واشنطن لن تنفك عن رعاية وحماية ودعم تل ابيب بأشكال ووسائل مختلفة في المجالات كافة بما في ذلك المحافل الإقليمية والدولية، طالما بقي البيت الأبيض قادرا على ضبط أو لجم إيقاع التحول في الشارع الأميركي، وخصوصا في أوساط النخب السياسية والاقتصادية والعسكرية والأكاديمية والثقافية الفنية المؤثرة في مراكز صنع القرار التنفيذية والتشريعية. كما يمكن وضع خيار أو فرضية ثالثة، كلما تراجعت مكانة الولايات المتحدة الدولية، كلما زادت أعباء الإدارات الأميركية في تحمل كلفة الحماية والامن للحلفاء عموما والدولة العبرية خصوصا.
ما تقدم، مرتبط بما كشفته المصادر الإسرائيلية والأميركية الرفيعة، ونشر أول أمس الاحد 11 كانون ثاني / يناير الحالي (2026)، بما تم إثارته اثناء لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب في منتجعه مارالاغو – بالم بيتش في ولاية فلوريدا يوم الاثنين 29 كانون اول / ديسمبر الماضي (2025) بشأن المساعدات الأمنية، وإطلاق مفاوضات لوقفها خلال عقد من الزمن، أي حتى 2036، وذلك مع اقتراب انتهاء مفعول الاتفاق الحالي الموقع في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما. وبحسب مصادر مسؤولة، فإن نتنياهو أبلغ الادارة الأميركية رغبته في تقليص حجم المساعدات العسكرية الأميركية لدولته اللقيطة بشكل تدريجي، وصولا الى الاستغناء عنها بالكامل خلال عشر سنوات، في خطوة تعكس توجها إسرائيليا لتقليل الاعتماد على الدعم الخارجي.
ولم تأت هذه الخطوة نتاج رغبة إسرائيلية حقيقية أو عن قناعة، انما بسبب المناخ السياسي المتحول في الولايات المتحدة الأميركية، واستباقا للحظة التحول النوعي في مواقف واشنطن، ونتاج القراءة والتقدير الإسرائيلي لصعوبة تمرير اتفاق جديد شبيه بالاتفاق السابق، الذي ضمن لإسرائيل قرابة 4 مليارات دولار أميركي سنويا، مع تصاعد الانتقادات المتزايدة للمساعدات المقدمة لها.
وفي مقابلة رئيس الحكومة الإسرائيلية مع مجلة “الايكونوميست” المنشورة يوم الجمعة 9 يناير الحالي، قال: إن هدف حكومته هو أن “تتعافى” إسرائيل تدريجيا من الاعتماد على المساعدات العسكرية خلال العقد القادم. وأضاف إننا “اليوم دولة ناضجة، وطورنا قدرات استثنائية، واقتصادنا يتجه ليبلغ تريليون دولار قريبا.” ويعكس هذا الطرح تحولا استراتيجيا في الفكر الإسرائيلي في العلاقة العسكرية مع واشنطن، لكن هذا التطور في الموقف الإسرائيلي، ليس منفصلا عن القراءة للتغيير في المناخ السياسي الأميركي، وأيضا وجود تيار داخل النخب السياسية الإسرائيلية طالب بضرورة وجود استقلالية نسبية عن الموقف الأميركي، الذي برز بشكل واضح اثناء الإبادة الجماعية على الشعب الفلسطيني، وفرض إدارة ترمب العديد من المواقف على حكومة الائتلاف الإسرائيلية، والذي سيبقى مستمرا الى انتهاء الظاهرة الإسرائيلية.
وكانت المفاجأة في تصريح السيناتور الجمهوري البارز، رئيس اللجنة الفرعية للشؤون الخارجية ولجنة العمليات الخارجية بمجلس الشيوخ، ليندسي غراهام، الذي علق على تصريح نتنياهو على موقعه في منصة “إكس”، مطالبا بالإسراع بفك الارتباط بين البلدين، وإنهاء المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل، وقال لا داعي لانتظار عقد من الزمن، كما اقترح نتنياهو، بل يجب ان تتوقف في أقرب الاجال، وختم غراهام تعليقه، بصفتي رئيس اللجنة الفرعية لعمليات الدولة والشؤون الخارجية، ساقدم مقترحا الى إسرائيل وإدارة ترمب لتسريع الجدول الزمني بشكل كبير. واقترح السيناتور الجمهوري، بإعادة توجيه هذه المليارات فورا لدعم ميزانية الدفاع الأميركية، التي يسعى الرئيس ترمب لرفعها الى 1,5 تريليون دولار.
وكما يعلم المراقبون، فإن حجم المساعدات الأميركية المعلنة خلال الإبادة الجماعية على الشعب الفلسطيني 2023 – 2025 تجاوزت ال 22 مليار دولار أميركي، وهناك مساعدات أميركية عسكرية واقتصادية ولوجستية تتجاوز ال 120 مليار دولار لإسرائيل منذ بداية الالفية الثالثة. مما ضاعف من حجم الانتقادات لإدارتي بايدن وترمب في أوساط النخب الأميركية وخاصة بين التيار اليميني المتشدد، وطالبت بوقف المساعدات، وإعفاء دافع الضرائب الأميركي من أعباء تلك المساعدات، إذا كانت إدارة ترمب معنية بتطبيق شعارها “اميركا أولا”، وليس “إسرائيل أولا”.
ورغم ذلك، وبغض النظر عن الفترة الزمنية التي ستتوقف فيها المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل، فإن الإدارات اللاحقة ستبقي المساعدات مستمرة بأشكال وأساليب مغايرة، الى أن تنتفي الحاجة الى ذلك، والاستغناء عن دور إسرائيل في المنطقة، أو لا تعود لديها القدرة على ذلك، أو تمكنت النخب السياسية والاقتصادية والعسكرية والأكاديمية من إحداث التحول في صانع القرار الأميركي.
[email protected]
[email protected]






