غزة بين نار الاحتلال وصراعات الداخل

كتب/كمال الرواغ

في الوقت الذي تتعرض فيه غزة لأبشع أشكال القتل والقصف والتشريد، يبدو أن معاناة أهلها تتضاعف بفعل عوامل أخرى لا تقل قسوة عن آلة الحرب نفسها. فكل ساعة تمر تحمل مزيدا من الألم والخسائر، بينما يواصل الاحتلال تدمير البيوت والبنية التحتية واستهداف كل مقومات الحياة.
ومع ذلك، لا يرى المواطن الغزي ما يكفي من الجهود الصادقة التي تضع مصلحته فوق كل اعتبار. فالصراعات السياسية والحزبية ما زالت قائمة، والتنافس على النفوذ والمواقع لم يتوقف رغم حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها السكان. وكأن المأساة لم تكن كافية لدفع الجميع نحو مراجعة الحسابات وتغليب المصلحة الوطنية على المصالح الفئوية.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن السلاح الذي لا يوظف ضمن رؤية وطنية موحدة لا يحقق التحرير المنشود، بل قد يفتح أبوابا جديدة للمعاناة والخسائر. وبينما تستمر الشعارات والخطابات، يبقى المواطن البسيط هو من يدفع الثمن الأكبر من دمه وأمنه ومستقبل أبنائه.
أهل غزة اليوم يعيشون أوضاعا مأساوية على مختلف المستويات. فهم يعانون من آثار الحرب والحصار، كما يعانون من الفوضى التي تفرضها بعض المجموعات المسلحة على المساعدات الإنسانية ومقدرات الناس. وفي الوقت ذاته، يواجهون استغلال بعض التجار الذين حولوا احتياجات المواطنين الأساسية إلى فرصة لتحقيق الأرباح على حساب الجوعى والمشردين.
إن المشهد العام يوحي بوجود صراع بين الأحزاب والحركات والأفراد على ما تبقى من سلطة ونفوذ، بينما تتراجع الأولويات الحقيقية المتعلقة بحماية الإنسان الفلسطيني وصون كرامته. وبين هذه الصراعات، يشعر كثير من أبناء غزة وكأنهم تركوا وحدهم في مواجهة الموت والقهر والجوع.
إن غزة لا تحتاج اليوم إلى مزيد من الانقسام أو التنافس على المكاسب، بل تحتاج إلى موقف وطني مسؤول يضع الإنسان أولا. تحتاج إلى وحدة حقيقية، وإلى حماية المساعدات من العبث والاستغلال، وإلى محاسبة كل من يتاجر بآلام الناس أو يستثمر في مأساتهم.
فأهل غزة لم يخلقوا للعذاب، ولا ينبغي أن يبقوا وقودا لصراعات لا تنتهي. إنهم يستحقون حياة كريمة، وأملا بالمستقبل، وقيادة تنحاز لمعاناتهم قبل أي حسابات أخرى. وبينما تستمر المأساة، يبقى السؤال المؤلم: من يحمل همّ غزة حقا، ومن يضع إنسانها فوق كل اعتبار..؟