غزة… حيث نكتب فوق الركام

تالا المصري

تالا المصري طفله من غزة في مخيمات النزوح لم تتجاوز الخامسة عشرة من عمرها تكتب

غزة اليوم لا تعيش … غزة تتحمّل .
الركام في كل مكان ، ليس حولنا فقط ، بل داخلنا . بيوت سقطت ، وأحلام دُفنت معها دون جنازة .

الخيام متلاصقة ، قريبة لدرجة أن أنفاس الناس تختلط ، لكن كل واحد وحيد في وجعه . قماش مهترئ يفصل بين عائلة وأخرى ، ولا شيء يفصل بين الحزن والحزن .

طوابير المياه أطول من الصبر، نقف فيها كأننا نقيس أعمارنا بالانتظار . جالون فارغ ، ظهر متعب ، ووجه نسي ملامحه من كثرة ما انكسر .

الغسيل معلّق في الميدان ، ليس لأن لدينا بيوتاً ، بل لأننا نرفض أن نختفي . ملابسنا تشهد أننا ما زلنا هنا ، حتى لو لم يبقَ شيء آخر .

الطبيخ على النار ، نار مكشوفة مثل مصيرنا . قدور فقيرة ، وأيدٍ تحاول أن تصنع حياة من لا شيء . نطبخ القليل ، ونقسمه على الكثير ، ونسمّي ذلك صبراً .

الأطفال يلعبون بين الخيام ، يتعثرون بالحجارة بدل الألعاب ، ويضحكون … ليس لأنهم بخير ، بل لأن الضحك آخر ما لم يُقصف بعد .

أما أنا ، فكاتبة من هذا المكان . أكتب لأن الكتابة هي الشيء الوحيد الذي لم يستطيعوا نزعه مني . أكتب عن الحرب وأنا داخلها ، أكتب عن الفقد وأنا أعدّ الذين رحلوا .

كتبت كتابًا كاملاً ، من دم الناس ، ومن صبر الأمهات ، ومن صمت البيوت المهدمة . لكنني حتى الآن لم أجد مكاناً ينشره . ليس لأن كلماتي ضعيفة ، بل لأن الحصار لا يحاصر الطعام وحده … يحاصر الأصوات أيضاً .

كتابي ينتظر كما ننتظر نحن . محاصر مثلي ، مؤجَّل مثلي ، لكنه صادق ، وموجع ، وحقيقي مثل غزة .

نحن هنا لا نموت بسرعة ، ننزف طويلاً . ولا نصرخ كثيراً ، نكتب .

وهذا … أقسى ما في الأمر .

” نحن في غزة لا نخاف أن نموت …
نخاف فقط أن نموت قبل أن تصل حكايتنا .”

” إذا لم يُنشر كتابي اليوم ،
فسيُنشر يومًا ما …
لأن الدم لا يبقى سرًا إلى الأبد .”

” هم قصفوا البيوت ،
لكنهم نسوا أن يقصفوا الذاكرة .”

” نحن لسنا أرقاماً ،
نحن كتبٌ أُغلقت بالقوة ،
لكنها لم تُمحَ .”

” قد لا يقرأ أحد كلماتي الآن ،
لكن غزة تقرأني …
وهذا يكفيني .” ⁦