في لحظة تاريخية تتكاثف فيها الضغوط الإقليمية والدولية على القضية الفلسطينية، تبرز غزة مجدداً كحجر زاوية في معادلة جيوسياسية معقدة؛ تُدار بحذر بين خطاب إنساني ظاهري، وأجندات سياسية عميقة تستهدف تصفية الهوية الوطنية.
إن تصريحات نيكولاي ملادينوف حول “الأوضاع المروعة” في القطاع، رغم دقتها في توصيف الواقع المأساوي، تثير تساؤلات جوهرية حول توظيف هذا الخطاب ووظيفته السياسية، ضمن مشروع أوسع يتقاطع في جوهره مع رؤية “ترامب” لما يُسمى “السلام”.
المأساة الإنسانية كمدخل للهندسة السياسية
لا يمكن إنكار فداحة الكارثة الإنسانية التي يكابدها قطاع غزة؛ بدءاً من تدمير البنية التحتية الممنهج، وصولاً إلى انهيار منظومة الإغاثة والنقص الحاد في مقومات الحياة الأساسية. غير أن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في توصيف هذه المعاناة، بل في محاولة “تسليعها” وتوظيفها كمدخل لإعادة هندسة الواقع الفلسطيني وفق اشتراطات خارجية.
إن الحديث عن “آليات دولية لضمان وصول الإمدادات” يطرح تساؤلاً مركزياً: هل الغاية هي تخفيف وطأة الحصار، أم شرعنة منظومة رقابة دولية مستحدثة تُستخدم لاحقاً كأداة للابتزاز السياسي؟
من منظور منظمة التحرير الفلسطينية، فإن أي مقاربة إنسانية تجتزئ السياق السياسي الشامل للاحتلال هي مقاربة قاصرة ومشبوهة، بل قد تتحول إلى غطاء لإدامة الوضع الراهن وإعفاء الاحتلال من مسؤولياته القانونية والأخلاقية.
فخ “الإدارة الانتقالية” والسيادة الوطنية
يبدو طرح ملادينوف لفكرة “إدارة انتقالية” توحد غزة بالضفة تحت مظلة السلطة الفلسطينية متناغماً –في قشوره– مع الموقف الوطني الداعي لإنهاء الانقسام. إلا أن “شيطان التفاصيل” يكمن في آليات التنفيذ ومرجعياتها.
فالسؤال الجوهري هنا ليس في مبدأ التوحيد كهدف وطني جامع، بل في ماهيته:
هل سيتم ذلك ضمن إطار سيادي فلسطيني خالص وبرؤية وطنية شاملة؟
أم عبر ترتيبات دولية تفرغ السلطة من مضمونها الكفاحي وتحولها إلى مجرد “إدارة مدنية” تحت سقف أمني مفروض قسراً؟
إن منظمة التحرير الفلسطينية، بصفتها الممثل الشرعي والوحيد، تؤكد أن أي صيغة انتقالية يجب أن تنبع من الشرعية الوطنية واستحقاقات القانون الدولي، لا من “هندسة خارجية” تُطبخ في غرف التفاوض الدولية لتناسب المقاسات الإسرائيلية.
معضلة “سلاح المقاومة” والرواية الصهيونية
يبرز الخلاف حول “ملف السلاح” كعنوان للصراع الحقيقي داخل أروقة المفاوضات. وبينما يُطرح هذا الملف كشرط مسبق لمعالجة القضايا المعيشية، تصر القوى الوطنية على أن استكمال التفاهمات الإنسانية هو الأولوية في هذه المرحلة.
وهنا لا بد من التأكيد على حقيقة مبدئية: إن اختزال القضية الفلسطينية في “سلاح غزة” يمثل انزلاقاً خطيراً نحو تبني الرواية الإسرائيلية التي تسعى لتجريد الشعب الفلسطيني من أدوات دفاعه الشرعي، دون تقديم أي ضمانات سياسية لإنهاء الاحتلال.
إن الموقف الذي تعبر عنه المنظمة ينطلق من أن السلاح هو “عرض” لمرض الاحتلال وليس سبباً له؛ وبالتالي فإن معالجته لا تتم بمعزل عن أفق سياسي يضمن قيام الدولة المستقلة كاملة السيادة.
استراتيجية “إدارة الأزمة” والرهان على الوقت
تشير معطيات المفاوضات الجارية في القاهرة، برعاية الوسطاء، إلى رغبة دولية في “إدارة الأزمة” بدلاً من حلها جذرياً. إن حالة المناورة السياسية القائمة تعكس سعياً لكسب الوقت ومنع الانهيار الشامل للمسار التفاوضي، دون تقديم تنازلات تمس جوهر الصراع.
في هذا الإطار، تتبدى “خطة ترامب” كإطار ضاغط لإعادة ترتيب الأولويات الفلسطينية بما يخدم أمن الاحتلال أولاً وأخيراً. أما مقولة ملادينوف الشهيرة “لا دولة فلسطينية دون غزة”، فهي وإن حملت حقيقة بديهية، إلا أنها تُستخدم حالياً كذريعة لفرض وصاية محددة على طبيعة هذه الدولة وإدارتها.
إن اللحظة الراهنة تتطلب بصيرة وطنية تتجاوز السطح الإغاثي إلى عمق الترتيبات السياسية. غزة اليوم ليست مجرد جرح إنساني ينزف، بل هي ساحة اختبار تاريخية لمصير المشروع الوطني الفلسطيني برمته.
إن أي تسوية لا تنبثق من وحدة القرار الوطني تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية، ولا تفضي فعلياً إلى إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس، ستظل مجرد “إدارة مؤقتة لأزمة دائمة”. في زمن تتقاطع فيه المصالح الدولية على حساب حقوقنا، يصبح التمسك بالثوابت أكثر من مجرد خيار سياسي؛ إنه ضرورة وجودية لحماية الهوية الوطنية وحفظ ما تبقى من معنى لفلسطين.







