غزة: من غياب الحلول إلى إعادة هندسة الواقع.. ورقة تقدير موقف

د. صلاح عبد العاطي

مدخل: من أزمة إلى سياسة – غياب الحل كأداة إدارة
لم يعد قطاع غزة مجرد ساحة لصراع عسكري متكرر أو أزمة إنسانية طارئة، بل تحوّل إلى نموذج مركّب لإدارة الفراغ السياسي عبر أدوات القوة، وإعادة تشكيل الواقع الفلسطيني ضمن بيئة يتم تصميمها بعناية.

فالفراغ السياسي هنا ليس نتيجة عجز أو فشل عفوي، بل هو نتاج مقاربة متعمدة تقوم على تعطيل أي مسار يؤدي إلى حل، مقابل إدارة نتائج هذا التعطيل بما يضمن استمرار السيطرة. حيث تتجلى هذه المقاربة في ثلاث ركائز متكاملة: تعطيل الحل السياسي، إضعاف أدوات الاستقرار، وإبقاء المجتمع في حالة إنهاك دائم.

بهذا المعنى، لم يعد “غياب الحل” مشكلة بحد ذاته، بل تحوّل إلى سياسة وظيفية لإعادة تعريف القضية الفلسطينية، وتحويلها من قضية تحرر وطني إلى ملف قابل للإدارة الأمنية والإنسانية.

أولاً: المقاربة الدولية – من التسوية إلى إدارة الفراغ
شهدت السنة الأخيرة تحولًا نوعيًا في طريقة التعاطي الدولي مع القضية الفلسطينية، حيث لم يعد الهدف إنتاج حل سياسي، بعد حرب إبادة استمرت لأكثر من عامين ولا تزال، بل إعادة تعريف الصراع ضمن إطار يمكن التحكم فيه.

تم تفكيك المسار السياسي التقليدي، وتهميش قضايا الحل النهائي، لصالح مقاربة تقوم على إدارة الصراع بدل حله، وهي مقاربة بديلة لتصفية الصراع بعد صمود اسطوري للفلسطينيين وحرب إبادة جماعية، وفي هذا السياق، جرى تعطيل أدوات الحماية الدولية لضمان الوصول لحل عادل للقضية الفلسطينية، حيث تم استبدالها بخطة الرئيس الأمريكي ترامب لوقف إطلاق النار، التي فرضت إدارة المرحلة الانتقالية وفقًا لمراحل لم يلتزم بها الاحتلال الإسرائيلي، ما أبقى غزة في حالة فراغ أمني واداري وكارثة انسانية، بل إن التفسير الإسرائيلي الأحادي للخطة والدعم الأمريكي، لم يطرح الإعمار كحق إنساني مستقل، بل جرى ربطه بشروط أمنية وسياسية، ما أدى إلى تعطيل التعافي الاقتصادي والاجتماعي.

حيث تم التحكم في تدفق المساعدات بحيث تبقي السكان في حالة “البقاء الأدنى” دون السماح بحدوث تعافٍ حقيقي.

النتيجة النهائية لهذه المقاربة: خروقات متكررة وممنهجة لوقف الإبادة وبيئة استراتيجية تُدار فيها الأزمة بدل حلها، حيث يصبح استمرار الوضع الراهن أقل كلفة من تغييره.

ثانيًا: الواقع الميداني – تثبيت الفشل كأمر واقع
خلال الأشهر الستة الأخيرة من وقف إطلاق النار، لم تنعكس أي من هذه المقاربات في تحسن فعلي على الأرض، بل جرى تثبيت الفشل كواقع دائم، فما يسمى بوقف إطلاق النار لم يوقف الحرب، بل أعاد تنظيمها في شكل “عنف منخفض الوتيرة”، حيث استمرت الخروقات الإسرائيلية وارتقى قرابة 700 من الشهداء و2000 من الجرحى، مع استمرار القصف والتوغلات،
بالتوازي من عرقلة وصول المساعدات، كما لم تبدأ أي عملية جدية للإعمار أو التعافي، ما جعل التهدئة مجرد إطار شكلي لإدارة الكارثة الإنسانية والابادة الجماعية ، وليس إنهاءً لها،
وهكذا تحولت التهدئة إلى مظلة لإدارة الكارثة الإنسانية، لا آلية لإنهائها.

ثالثاً: إعادة تشكيل الجغرافيا – “الخط الأصفر” كأداة سيطرة

لم تقتصر السياسات الإسرائيلية على البعد العسكري، بل امتدت إلى إعادة تشكيل الجغرافيا كأداة للسيطرة.

فمن خلال السيطرة على مساحة تصل الي 50% من القطاع، وتقليص المساحات القابلة للحياة، جرى خلق واقع جغرافي جديد يقوم على:

ضغط سكاني خانق، تفكيك البنية الاجتماعية، اوضاع إنسانية كارثية وخلق مناطق احتواء بشرية معزولة، بهذا المعنى، لم تعد الجغرافيا مجرد ساحة صراع، بل أصبحت أداة لإعادة هندسة المجتمع الفلسطيني والتحكم في حركته وبنيته.

رابعاً: إدارة الانهيار الإنساني – التجويع كسياسة
الانهيار الإنساني في غزة لم يعد نتيجة عرضية للحرب، بل أصبح جزءًا من آليات إدارتها.

فمن خلال تقنين دخول المساعدات بما لايزيد عن 40% من المقرر ، وتقييد الوقود والمستلزمات الطبية ومنع دخول البيوت المؤقتة والمعدات ،وحظر وتقيد عمل وكالة الغوث الدولية والمنظمات الإنسانية وتعطيل الخدمات الأساسية، يتم إبقاء السكان في حالة بقاء دائم دون تعافٍ.

هذه السياسة تعيد تعريف الحق الإنساني من كونه حقًا أصيلًا إلى كونه امتيازًا مشروطًا، وتُستخدم كأداة ضغط سياسي.

قانونيًا، يشكل ذلك جريمة تجويع كوسيلة حرب، وانتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني.

خامساً: التحول الاستراتيجي – من إدارة الفشل إلى فرض الإملاء

مع تزايد الانتقادات الدولية للولايات المتحدة الأمريكية جراء فشل تطبيق خطة ترامب في وقف إطلاق النار وتحقيق استقرار او حتي ضمان عمل لجنة إدارة غزة، وللأسف لم يتم تصحيح المسار، بل جرى الانتقال إلى مرحلة أكثر حدة تقوم على فرض الشروط بدل التفاوض.

هذا التحول يعكس انتقالًا جوهريًا من إدارة الأزمة إلى إعادة هندسة نتائجها وفق شروط مسبقة، بما يضمن إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني بما يتوافق مع الرؤية الإسرائيلية–الأمريكية.

سادساً: خطة نيكولاي ميلادينوف – الأمن كمدخل لإعادة تعريف الحل
تأتي خطة نيكولاي ميلادينوف كالتعبير الأوضح عن مرحلة الإملاء، حيث تقوم على معادلة مركزية:
الأمن أولًا… ثم كل شيء آخر.

ترتكز الخطة على نزع السلاح كشرط مسبق، وربط الإعمار بالامتثال الأمني، وإعادة تشكيل الحكم في غزة في ظل وصاية تنزع اي دور من لجنة إدارة غزة وتجعلها تعمل ضمن الاشتراطات، مع إبقاء الانسحاب الإسرائيلي مؤجلًا ومشروطًا، بما يحول الحقوق والسيادة إلى مسألة ضبط أمني وإدارة تقنية.

سابعاً: التناقض البنيوي – قلب منطق الحل
تكمن خطورة هذه المقاربة في قلبها لترتيب الحل الطبيعي.

فبدل أن يبدأ الحل بدخول لجنة إدارة غزة وانسحاب إسرائيل ودخول قوات الاستقرار وبدء عملية إعادة الإعمار، تُطرح معادلة معكوسة تبدأ بغض النظر عن خروقات اتفاق وقف اطلاق النار بنزع السلاح كشرط لكل شيء.

هذا الترتيب يؤدي عمليًا إلى:
تحميل الفلسطينيين مسؤولية الفشل،
إعفاء الاحتلال من التزاماته،
ومواصلة خلق فراغ إداري وأمني قد يدفع نحو تكريس الاحتلال للوقائع علي الارض، واستمرار ابقاء القطاع منطقة منكوبة غير صالحة للحياة وتقليل المساعدات واستهداف الشرطة وتعزيز عمل الميليشيات الوكيلة للاحتلال بهدف دفع القطاع نحو الفوضى أو الصراع الداخلي.

ثامناً: مجلس الأمن الدولي – فجوة الإرادة لا النص
رغم صدور قرارات دولية واضحة تدعو إلى وقف إطلاق النار، وآخرها قرار 2803 عدا عن ضمان إدخال المساعدات وكل احتياجات سكان غزة، وحماية المدنيين ، ومنع استمرار الابادة الجماعية، فإن الواقع يكشف عن فجوة عميقة بين النص والتطبيق.

هذه الفجوة لا تعكس نقصًا قانونيًا، بل خللًا في الإرادة السياسية الدولية، حيث يتم التعامل مع القانون الدولي كإطار إرشادي، لا كآلية إلزامية.

تاسعاً: الفاعلون الفلسطينيون – تباين في الأدوات واتفاق في الجوهر
رغم اختلاف مواقف الفاعلين الفلسطينيين، إلا أنها تلتقي عند رفض تحويل الحقوق إلى شروط.

فحركة حماس تتبنى مقاربة براغماتية مشروطة، تقبل التفاوض لكنها تطالب بتطبيق التزامات الاحتلال في المرحلة الاولي وترفض ربط الإعمار والانسحاب الإسرائيلي بنزع السلاح، إضافة إلى مطالبتها بضمانات واضحة لضمان عمل لجنة إدارة غزة وتثبيت الامن والاستقرار وحل المليشيات، وضمانات عربية ودولية.

الفصائل الأخرى تتمسك برفض الابتزاز السياسي والتحذير من خطورة الوصاية الدولية وخطة ميلادينوف، أما السلطة الفلسطينية، فتحاول استعادة دورها ضمن هامش ضيق تفرضه الضغوط الدولية.

هذا التباين يعكس تعدد الأدوات، لكنه لا يلغي وجود قاسم مشترك يتمثل في رفض الإملاءات الأحادية.

عاشراً: المجتمع في غزة – من السياسة إلى البقاء
أخطر التحولات في المرحلة الحالية هو انتقال المجتمع من الفعل السياسي إلى صراع البقاء.

لم يعد السؤال: من يحكم؟
بل: كيف يمكن العيش غدًا؟
في ظل الانهيار الإنساني والاقتصادي والخدماتي، حيث أصبح البقاء والصمود، وعدم عودة حرب الإبادة أولوية تتقدم على أي اعتبار سياسي، ما يعكس عمق الأزمة الإنسانية وتأثيرها على البنية المجتمعية.

الحادي عشر: الوسطاء – إدارة التوازن لا إنهاء الصراع
تتحرك الأطراف الوسيطة، خاصة مصر وقطر وتركيا، ضمن مقاربة تهدف إلى منع الانفجار والضغط من اجل ضمان جسر الهوة بين الفصائل والسلطة والفصايل والولايات المتحدة وإسرائيل، وقد تمثلت هذه الجهود مؤخرا في اللقاءات الأخيرة مع الوسطاء، بما في ذلك الاجتماعات مع ميلادينوف في القاهرة ، في إطار استكمال تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، وبحث تفعيل المرحلة الثانية، وخاصة بدء عمل لجنة إدارة غزة، وضمان تثبيت وقف إطلاق النار، حيث أكدت الفصائل الفلسطينية في هذه اللقاءات، على ضرورة الالتزام الكامل بالاتفاق، وبدء عمل اللجنة الادارية فورًا، بما يضمن استعادة الخدمات وتهيئة البيئة للتعافي وإعادة الإعمار، مع تقدير خاص للدور المصري الذي يعول عليه الفلسطينيين الكثير ، رغم الجهود، المصرية وجهود الوسطاء تصطدم لعنت إسرائيلي، وغطاء من مجلس السلام، ما يجعل من مقاربة الوسطاء محكومة بإدارة التوازنات، لا بفرض الحلول العادلة.

الثاني عشر: المخاطر الاستراتيجية – نحو تفكيك شامل

المسار الحالي ينطوي على مخاطر عميقة، أبرزها:
تفكيك الحقوق والسيادة، و نقل الصراع إلى الداخل الفلسطيني، عبر مواصلة إسرائيل خلق فراغ إداري وأمني وابقاء القطاع في حالة انسانية هشة ، وتكريس واقع استعماري دائم، ودفع القطاع نحو الانفجار الداخلي والانهيار الإنساني، بما يعيد تشكيل طبيعة غزة و القضية الفلسطينية ككل.

الثالث عشر: التوصيف القانوني – بنية جريمة متكاملة
فما يجري في غزة لا يمثل انتهاكات متفرقة، بل منظومة متكاملة من الجرائم الممنهجة والتي تشمل:
جرائم حرب، جرائم ضد الإنسانية، تجويع ممنهج، وضم غير قانوني.

هذه المنظومة قد ترقى إلى جريمة إبادة جماعية، وفق المعايير الدولية، ما يجعل من متابعة المساءلة القانونية للاحتلال وشركائه ضرورة لا خيارًا.

الرابع عشر: السيناريوهات المستقبلية – بين الإملاء والتعديل والانفجار

يتراوح مستقبل غزة بين عدة سيناريوهات رئيسية تتمثل في :
الإملاء الكامل: فرض شروطث مسبقة مقابل استقرار هش، مع تكريس السيطرة الأمنية الإسرائيلية.

التعديل الجزئي: إدخال تعديلات محدودة تخفف الأزمة او تديرها دون حل جذري.

الجمود الاستنزافي: استمرار الوضع الراهن مع تآكل مستمر في مقومات الحياة في غزة .

الانفجار الشامل: انهيار كامل يقود إلى فوضى واسعة وموجات تصعيد عسكري جديدة.

إعادة التشكّل الوطني: توحيد الموقف الفلسطيني وإعادة صياغة المعادلة وفق رؤية وطنية.

يبقى السيناريو الأخير هو الأكثر صعوبة، لكنه الوحيد القادر على كسر مسار الإملاء.

الخاتمة: المطلوب والممكن – نحو معادلة وطنية تمنع إعادة إنتاج الكارثة
تفرض المرحلة الحالية ضرورة بناء معادلة وطنية واضحة تقوم على:
تثبيت وقف إطلاق النار ودخول لجنة إدارة غزة فورًا وممارسة مهامها وفق القانونو ضمان تدفق المساعدات دون شروط.

ربط أي نقاش حول نزع السلاح بانسحاب الاحتلال وإعادة الإعمار، ونشر قوة استقرار دولية لحماية المدنيين والفصل بين الأطراف.

توافق وطني على إطار عمل لتوحيد المؤسسات الفلسطينية وإنهاء الانقسام لمواجهة المخاطر والتحديات الوطنية والإنسانية.

تفعيل المسار القانوني الدولي لمحاسبة الاحتلال.

وفي الختام تبقي المعادلة الحاسمة، بأنه لا يمكن تحقيق الأمن أو الاستقرار عبر نزع السلاح كخطوة منفردة، بل من خلال ربطه بإنسحاب إسرائيلي وإعادة الإعمار وضمان الحماية الدولية ، وحل المليشيات الوكيلة للاحتلال، وترتيب منظمومة الامن و العدالة والحوكمة في قطاع غزة.

وأي محاولة لفرض نزع السلاح دون هذه الشروط لن تؤدي إلى الاستقرار، بل إلى الفوضى والاقتتال الداخلي وإعادة إنتاج الأزمة.

وفي المقابل، فإن التعامل الفلسطيني البراغماتي يجب أن يبقى مشروطًا بضمانات واضحة: وقف إطلاق النار، إدخال المساعدات، والانسحاب، والإعمار، وضمن مسار سياسي ينهي الاحتلال، لا مسار يعيد تعريف الفلسطيني كمشكلة يجب إدارتها.

وفي ظل الانشغال الدولي بالحرب الإقليمية تبقي المعركة على تعريف القضية الفلسطينية ومكانتها ، وغزة اليوم لا تواجه فقط حربًا أو أزمة إنسانية بل عملية لاعادة تعريف شاملة، للأرض، للمجتمع، وللسياسة، وللحق ذاته.

هنا إما يفرض الفلسطيني تعريفه الوطني للقضية الفلسطينية وفقا لمقاربات السياسية والقانون ، أو يُعاد تعريفه ضمن ترتيبات الآخرين، وفي السياسة، المفارقة القاسية تتمثل في أن اخطر “الحلول” ليست تلك التي تفشل، بل تلك التي تغيب جرائم الاحتلال الإسرائيلي وتنجح في تحويل الفلسطينين من اصحاب قضية إلى كونهم حالة إشكالية.