السياسي – شارك الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في أول جلسة للجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف، والتي تُكمل عامها الخمسين منذ إنشائها بقرار من الجمعية العامة عام 1976. وقد افتتح الأمين العام الجلسة بنفسه، وأشرف على انتخاب مكتبها، حيث أُعيد انتخاب السفير السنغالي كولي سيك رئيسًا للجنة، كما أُعيد انتخاب كل من ناميبيا وكوبا وماليزيا وإندونيسيا ونيكاراغوا نوابًا للرئيس. كما تقدمت تشيلي بطلب الانضمام إلى اللجنة، وتم الترحيب بها دولةً جديدة في مكتب اللجنة.
وألقى غوتيريش كلمة الافتتاح، قال فيها إن اللجنة، وعلى مدى خمسين عامًا، دأبت على الدفاع عن حقيقة بسيطة مفادها: “يجب إعمال الحقوق غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني – بما في ذلك الحق في تقرير المصير – واحترامها احتراما كاملا وثابتا ودون أي تأخير”. وأضاف: “نحن ندخل عام 2026، والوقت ينفد بسرعة”.
وتساءل الأمين العام عمّا إذا كان العام المقبل سيشهد تقدمًا نحو السلام أم سينزلق إلى هاوية اليأس، وما إذا كان إعلان نيويورك وملاحقه – التي أقرتها الجمعية العامة العام الماضي – سيوفر مسارا واضحا وعمليا نحو حل الدولتين، وما إذا كان التحالف العالمي سيمنح حل الدولتين منصة لحشد الجهود لتحقيق تقدم طال انتظاره. وأضاف: “لكن الأهم هو إحداث تغيير دائم على أرض الواقع. وكما نعلم جميعًا للأسف، فإن الوضع هش للغاية في غزة، ولا يزال الفلسطينيون يعانون معاناة شديدة”.
وقال غوتيريش إن أكثر من 500 فلسطيني قُتلوا منذ وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، ودعا جميع الأطراف إلى تنفيذ الاتفاق بالكامل، وممارسة أقصى درجات ضبط النفس، والامتثال للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة. كما دعا إلى تسهيل مرور المساعدات الإنسانية بسرعة ودون عوائق وعلى نطاق واسع، بما في ذلك عبر معبر رفح.
وأضاف أن استمرار تعليق عمل المنظمات غير الحكومية الدولية التي تقدم مساعدات حيوية يتنافى مع المبادئ الإنسانية، ويقوض التقدم الهش، ويزيد من معاناة المدنيين. وقال: “يجب أن تصل معدات المأوى والغذاء والمواد التعليمية وغيرها من الاحتياجات الأساسية إلى المحتاجين. ويجب أن يكون أي حل مستدام في غزة متوافقا مع القانون الدولي، وأن يؤدي إلى حكم غزة والضفة الغربية – بما في ذلك القدس الشرقية – من قبل حكومة فلسطينية موحدة وشرعية ومعترف بها دوليا”.
وأكد الأمين العام أن غزة جزء لا يتجزأ من الدولة الفلسطينية، ويجب أن تبقى كذلك. وانتقد تسارع التوسع الاستيطاني غير القانوني، وعمليات الهدم والتهجير والإخلاء المتواصلة في الضفة الغربية المحتلة. وأشار إلى أن أكثر من 37 ألف فلسطيني تم تهجيرهم في الضفة الغربية خلال عام 2025 وحده، وهو العام الذي شهد أيضًا مستويات قياسية من عنف المستوطنين الإسرائيليين.
وأضاف: “إن المناقصة التي نشرتها إسرائيل مؤخرًا لبناء 3401 وحدة سكنية في منطقة (E-1)، إلى جانب عمليات الهدم المستمرة، أمر مقلق للغاية. فإذا نُفذت، فإنها ستقطع أوصال شمال وجنوب الضفة الغربية، وتقوض التواصل الجغرافي، وتوجه ضربة قاصمة لجدوى حل الدولتين”. وتابع: “إن مثل هذه الإجراءات، بما في ذلك استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ليست مزعزعة للاستقرار فحسب، بل هي أيضًا غير قانونية، كما أكدت محكمة العدل الدولية”.
وأشار غوتيريش إلى قلقه البالغ إزاء التقرير الأخير الصادر عن مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان، والذي يفصل الإدارة التمييزية الإسرائيلية للضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية، مع نتائج مدعومة بالأدلة حول التمييز العنصري المتجذر. وحث الدول الأعضاء على تكثيف جهودها بشكل كبير على جميع الجبهات، بما في ذلك من خلال نداء الاستجابة السريعة لعام 2026 للأراضي الفلسطينية المحتلة.
وأكد الأمين العام مجددًا دعمه الكامل لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، وأدان اعتماد البرلمان الإسرائيلي قوانين تزيد من عرقلة قدرة الوكالة على العمل وتنفيذ أنشطتها. كما أدان بأشد العبارات إجراءات السلطات الإسرائيلية لهدم مجمع الأونروا في حي الشيخ جراح بالقدس الشرقية المحتلة. وقال: “دعوني أكون واضحًا: مباني الأونروا هي مباني للأمم المتحدة، وهي مصونة ومحصنة من أي شكل من أشكال التدخل”.
وأضاف أن التهديدات العلنية التي يطلقها مسؤولون إسرائيليون ضد موظفي الأونروا “بغيضة للغاية ويجب أن تُقابل بإدانة قاطعة”. وأكد أن الأونروا وموظفيها يتمتعون بالامتيازات والحصانات المنصوص عليها في اتفاقية عام 1946 بشأن امتيازات وحصانات الأمم المتحدة، داعيا إسرائيل، بموجب المادة 105 من ميثاق الأمم المتحدة، إلى ضمان الاحترام الكامل لهذه الامتيازات والحصانات في الأراضي الفلسطينية المحتلة وفيما يتعلق بها. وقال: “الأونروا ضرورية. وأدعو جميع الدول الأعضاء إلى مواصلة دعمها سياسيا وماليا”.
وفي ختام كلمته، شدد غوتيريش على ضرورة أن ينتهي الاحتلال، كما أكدت محكمة العدل الدولية. وقال: “يجب إعمال الحقوق غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني. يجب احترام القانون الدولي وضمان المساءلة. يجب الحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية المحتلة وتواصلها وسلامتها. يجب تمهيد الطريق لسلام عادل ودائم بين الفلسطينيين والإسرائيليين”.
وأكد أنه “لا يوجد سوى طريق واحد قابل للتطبيق: حل الدولتين وفقًا للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، حل يقوم على دولة إسرائيل ودولة فلسطينية مستقلة تماما وديمقراطية ومتصلة وقابلة للحياة وذات سيادة، تكون غزة جزءًا لا يتجزأ منها، وتعيشان جنبًا إلى جنب في سلام وأمن ضمن حدود آمنة ومعترف بها، على أساس خطوط ما قبل عام 1967، وتكون القدس عاصمة للدولتين”. وختم بالقول: “أحث المجتمع الدولي على التحرك بوضوح ووحدة وتصميم”.






