السياسي – نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” مقالا لإدوارد لوس تساءل فيه عن سبب استهداف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمحاولات اغتيال مستمرة. فمحاولة الاغتيال التي جرت أثناء حفل مراسلي البيت الأبيض هي الثالثة في أقل من عامين.
وفي بلد له تاريخ مظلم من العنف السياسي، يبدو أن ترامب يجذب عددا أكبر من غيره ممن يحاولون تنفيذ عمليات اغتيال.
وأضاف لوس أنه وبحلول الوقت الذي عاد فيه ترامب إلى البيت الأبيض من حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض السنوي، كان في حالة ذهنية شبه اعتيادية، وتحدث للصحافيين الذين ارتدوا ملابس للحفل، أنه درس تاريخ الاغتيالات، وخلص إلى أن الشخصيات الأكثر أهمية فقط، مثل أبراهام لينكولن، هي التي تستهدف. وقال: “أكره أن أقول إنني أشعر بالفخر لذلك، لكنني فعلت الكثير”.
ويقول لوس إن كلام الرئيس يأتي في ظل استمرار حوادث إطلاق النار الجماعي التي تعتبر جزءا من نسيج الحياة الأمريكية. فقبل أسبوع، قتل رجل ثمانية أطفال في لويزيانا في مأساة لم تتصدر عناوين الأخبار إلا لفترة وجيزة. وكان آخر رئيس أمريكي اغتيل هو جون إف كينيدي عام 1963.
وتعتبر محاولة اغتيال ترامب مساء السبت هي الثالثة في أقل من عامين. ففي تموز/ يوليو 2024، لامست رصاصة أذنه أثناء إلقائه خطابا في تجمع انتخابي بولاية بنسلفانيا، بشكل عزز من فرص إعادة انتخابه.
وبعد أسبوع من ذلك الحادث، ساد خطاب في المؤتمر الجمهوري مفاده أن الله قد أنقذ ترامب ليخدم الأمة. وبعد شهرين، أحبط عملاء الخدمة السرية محاولة اغتيال ثانية استهدفت مقر إقامته في مار- إي- لاغو.
ويعتقد الكاتب أن موجة التعاطف هذه المرة ستكون محدودة.
والفرق الأكبر هو أن المسلح المزعوم، كول ألين، لم يقترب من ترامب إطلاقا. فرغم أن قنوات الأخبار صورتها على أنها محاولة اغتيال أخرى كادت أن تودي بحياة الرئيس، إلا أن ألين لم يكن موجودا في قاعة الاحتفالات، وسمعت أصوات ارتطام عالية، لكن ترامب لم يكن قريبا من الخطر.
ففي حادث مدينة باتلر بولاية بنسلفانيا، لوّح ترامب، وهو ملطخ بالدماء، بقبضته وهتف: “قاتلوا، قاتلوا، قاتلوا”.
وشكلت هذه الصورة جزءا من هوية حملته الانتخابية. أما حادثة ليلة السبت في فندق هيلتون، فلم تسفر عن أي مشهد مماثل.
في عام 1981، أصيب رونالد ريغان برصاصة أثناء خروجه من المكان نفسه. ورغم أنه كان في بداية ولايته الرئاسية الثانية، إلا أن ارتفاع شعبيته لم يدم طويلا، وسيكون من المفاجئ أن يحظى ترامب بأي دعم على الإطلاق.
إلا أن ترامب، كما يقول لوس، سيحاول استغلال الحادثة سياسيا، فمن الشائع في أوساط مؤيدي ترامب القول إن اليسار الأمريكي يسهل وييسر العنف السياسي باستخدام خطاب متطرف ضد الرئيس ومَن حوله. وقد روج ترامب نفسه، ونائبه جيه دي فانس، لهذا الخطاب عقب مقتل تشارلي كيرك، أحد الشخصيات المؤثرة في حركة “لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى” أو “ماغا”، في أيلول/سبتمبر الماضي. وأمر ترامب بتنكيس الأعلام الأمريكية، وتم فصل بعض الأمريكيين من وظائفهم بسبب ما زعم عدم احترامهم لكيرك على وسائل التواصل الاجتماعي.
ولكن شعبية ترامب أصبحت اليوم أسوأ. ففي الأسبوع الماضي، انخفضت نسبة تأييده إلى أدنى مستوى لها، حيث تراجعت إلى أقل من 40% في عدد من استطلاعات الرأي. والأكثر دلالة على ذلك، أن 30% فقط من الأمريكيين راضون عن إدارته للاقتصاد، وهو ما يعد مؤشرا خطيرا للجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي القادمة. ويساهم تزايد عدم شعبية حرب ترامب على إيران في هذا التراجع الحاد.
فقبل حادثة فندق هيلتون يوم السبت، تخلى فريق ترامب التفاوضي مع إيران عن خطط عقد جولة ثانية من المحادثات في إسلام آباد، بعد أن أعلن الجانب الإيراني عدم مشاركته. ومن المفارقات أن الاغتيال لعب دورا محوريا في الصعوبات التي يواجهها ترامب في مفاوضاته مع إيران.
فقد بدأت عملية “الغضب الملحمي” بضربة قاتلة استهدفت المرشد الأعلى علي خامنئي في 28 شباط/فبراير، وقد زادت الضربات الأمريكية الإسرائيلية اللاحقة، التي استهدفت قائد الحرس الثوري، ووزير الأمن القومي الإيراني، وقادة آخرين، من صعوبة إيجاد فريق متمكن من المفاوضين الإيرانيين. ولا يزال الغموض يكتنف هوية من يتولى زمام الأمور في نهاية المطاف، لا سيما مع الاعتقاد السائد بإصابة المرشد الأعلى الجديد (مجتبى خامنئي، نجل آية الله الراحل) بجروح بالغة.
ويقول الكاتب إن تحمس ترامب المبكر لاغتيال كبار الشخصيات الإيرانية، وليس المحاولة الأخيرة التي استهدفته من الداخل، هو ما يشكل مستقبله السياسي. قال ترامب عن الإيرانيين يوم السبت: “بإمكانهم الاتصال بنا متى شاؤوا”. مع أن مشكلته تكمن في تعامله مع إيران التي تعتقد أن الوقت يعمل لصالحها.
ويبقى مصير ترامب، سواء أكان سيستأنف القصف في الأيام المقبلة، كما هدد في الفترة الأخيرة، أم أنه سيقدم تنازلات لإجبار إيران على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، غير معروف.
وما هو مؤكد، هو أن الرئيس المتقلب والمضطرب سيمضي في خطواته ببناء قاعة الرقص المثيرة للجدل في البيت الأبيض، والتي تبلغ تكلفتها 400 مليون دولار. بل قد تستضيف هذه القاعة حفلات عشاء للمراسلين في المستقبل. وكتب على منصته “تروث سوشيال” في الساعات الأولى من صباح الأحد: “لا يمكن بناؤها بالسرعة الكافية!”.






