بقلم عصري فياض
في عام 1966 وقبل النسكة بسنة واحدة،ولد للسيد زيدان خازم اللاجئ الذي حطت به خيمته في مخيّم جنين مولودا بكرا اسماه “فتحي”،ليحمله بين يديه بعد سنة فارا من نكسة عام 1967،متذكرا نكبته ونكبة شعبه التي لم يمر عليها حينها تسعة عشر عاما،ثم عاد بعد أيام لنفس المكان الذي نزح منه،ليكمل مع مئات الالف بل ملايين الشعب الفلسطيني حياته مع الاحتلال الذي ابتلع كل الأراضي الفلسطينية من حدود البحر لضاف النهر،كان السيد زيدان خازم يفكر بعائلته وأولاده وما سيحل بهم بعد هذا الاحتلال والى اين ستصل الأمور.
***
ملخص حياة الطفل فتحي خازم يمكن رسمها رسما في خارطة تمتد من سن الطفولة حتى الفتوة،الام ربة بيت تعيش في بيت متواضع في مخيّم جنين،الوالد يعمل بناءاً،دراسته في مدرسة وكالة الغوث الدولية،علاجه اذا ما مرض في المركز الصحي التابع للوكالة،ممارساته الطفولية من لعب ولهو بين اقرانه قرب دوار الحصان بوابة عبور المخيّم الى المدينة ومن خلفها إلى الدنيا،أحلام صغيرة لا تتعدى الأفق الضيق الذي حشره به اللجوء والحرمان،وهذان الامران هما اللذان غيبا ذكاءه الحاد ومنعاه من استكمال دراسته،ودفعا به نحو ملازمة الوالد في عمله الشاق،الذي تمكن من خلاله وفي فترة قصيرة من اتقان هذه الصنعة مبكرا لتكون بداية حياته التي سيشق الطريق عصاميا معتمدا على ذاته… حتى دخل عامة الثاني والعشرين مع دخول انتفاضة الحجارة ” الانتفاضة الأولى “…
الانتفاضة الأولى
لعل شخصيته الدمثة،ووعيه المبكر،وبسطة جسمه،واعتزازه وثقته بنفسه كانت عوامل عجلت في وضعه وانسجامه بدور قياديّ في فعاليات الانتفاضة الأولى،حتى بلغ مكانة قائد قوات الشبيبة الضاربة في المخيّم،ولم يكن احد ينافسه فيها لما له من هيبة وقدره على الخطاب واللسان المفوه،كان يجابه في الميدان،وعندما يطوق المخيّم او يقتحم ويفرض عليه حظر التجول ويكون القرار الانسحاب المؤقت لقرى برقين وكفرقود والهاشمية الواقعة خلف المخيّم،او حتى فض النزاعات الاجتماعية بما يملك من قوة ضاربة كان يتحرك ويتوجه ويحضر لجان الإصلاح لتفرض حلولها على الجهات المتنازعة بعد ان تخلى الاحتلال وشرطته المدنية عن هذا الملف بقصد تفتيت اللحمة الاجتماعية التي اوجدتها الانتفاضة حينها،أصيب ولوحق واعتقل،وامضى خلال الانتفاضة الأولى عدة سنوات في الاعتقال الإداري وغير الإداري خلال سنواتها الخمس،كان السجن له محطة للوعي والثقافة والشحن والدراسة والاحتكاك والاستفادة من تجربته وتجربة عيره،وقد شهدت هذه الفترة زواجه من فتاة من المخيّم هي شقيقة احد اصدقاءه الذي استشهد لاحقا.
الانتفاضة الثانية
قبل ان يدخل شارون لساحات وباحات المسجد الأقصى في الثامن والعشرين من أيلول من العام 2000، كانت هبة النفق،فتحي خازم الذي كان قد انضم لقوات الامن الوطني بعد قدوم السلطة الوطنية الفلسطينية،شارك في مواجهات هبة النفق في منطقة جنين،لم يطفأ التزامه الوظيفي جذوة شعره الوطني،بل لبى نداء الرئيس الراحل ياسر عرفات بعد ان فهم مغزى كلماته وتوجياته وهو يوحي لقوات الامن الفلسطيني بالدفاع عن الشعب الفلسطيني،وعندما جاءت الانتفاضة الثانية، وتفجرت الاحداث، وكان قد اصبح ضابطا في قوات الامن الوطني في مدينة نابلس،بل نائبا لقائد قوات الامن الوطني في منطقة نابلس،شارك قسم منها في الدفاع عن المدينة ابان اجتياح الجيش الإسرائيلي لمدينة نابلس نهاية شهر اذار من العام 2002 والذي عرف وقتها بعملية “السور الواقي”.
ارتقاء ولدية
بعد أكثر من عشرين عاما من انتفاضة الأقصى، رزق فتحي خازم أبو رعد بخمسة أبناء،وثلاث بنات، وما ميز هؤلاء الأبناء عن غيرهم شدة الذكاء،بالرغم من عدم حملهم للشهادات العليا، وقد برز ذكاؤهم في الحياة ،حتى ان ابنه الأكبر رعد عرض عليه مؤسسات كثيرة في التوظيف من اجل العمل في برامجها الالكترونية،لكنه لم يكن ليقبل لأنه فضل العمل الحر دون التقييد الوظيفي،وكذلك عبد الرحمن،وهذا الذكاء مردة لطاقة الذكاء التي غذاها الوالد في المعرفة فأصبح الى جانب عمله كقائد في الامن الوطني خطيبا مفوها يعتلي منابر الجمعة بكل اقتدار.
لقد حظي ابناءه بقدر واسع من الحرية من قبل والدهم الذي كان على قدر من الوعيّ والحصافة والاعتماد على الذات ،فكل منهم عصاميا،رعد ذهب للعمل فيما حباه الله من قدره ذهنية الى العمل داخل الخط الأخضر،وهناك وفي معترك ما تتعرض له الضفة الفلسطينية وخاصة مخيم جنين من اجتياحات متكررة وارتقاء الشهداء،فعل ما فعل…فتوجهت مسيرة شبابية لبيت ولده الكائن اعلى المخيم كردة فعل تلقائية،فوجد الشبان الثائرين كلمات كانوا بانتظارها،لقد تفاجئوا بثقافته وجلده والكريزما التي تسكن فيه، لقد احدث فيهم قفزة تحفيز،لذلك ادرك انه سيكون مطاردا من الان فصاعدا،فهجر بيته الى الازقة،الى منصات التأبين،لتلتقفه عدسات الإعلاميين وتنشر أقوله وكلماته التي كانت بمثابة تيار كهربائي شاحن يسري في وجدان الشباب الفلسطيني،وكان من اكثر المتأثرين به ابنه الثاني عبد الرحمن وابن شقيقه المهندس نضال،فلحق الأول بأخيه رعد بعد خمسة اشهر، وبعد اقل من عام لحق نضال بالاثنين وسط ارتقاء عشرات الشبان في المخيّم والمحافظة والمحافظات الأخرى.
وبالرغم من وقع ما حدث له،لم يكن ليتغير ويغير سجيته في الإبقاء على دماثة الخلق وخفة الروح التي يمتلكها،ففي سجى الليل،وعندما كان الناس نيام كان أبو رعد يسامر “الحراس” اليقظين بالقصص والمواقف التي أحيانا تجعل ضحكاتهم تجلل الحي والحارة والشارع،كان يخجل من طرق الأبواب طلبا للنوم،ذات صباح استقضت سيدة ام ربة بيت لصلاة الفجر،شعرت بوجود احد ما على باب بيتها،شقت الباب خلسة فرأت شخصا ينام على “بسطة الدرج”…. سارعت فورا لايقاظ ابنها لتخبره بالأمر، تقدم الابن من الباب فشقه بلطف،فأدرك ان النائم هو أبو رعد،فقامت على الفور بتجهيز أقل الواجب وجبة إفطار لتقدمها له، وما ان انتهى تجهيز الإفطار، وذهب الابن لإدخال أبو رعد الى البيت حتى وجده قد غادر المكان.
النهاية المؤجلة
رام الله التي رحل اليها لسنوات،لم تأخذ منه حبه لجنين ومخيّم جنين وجبل الذكريات المعمد بالفقد والنكبات والتضحيات،فعاد تاركا شقة فارهة مجهزة،الى شقة متواضعة في حي المصاروة في جنين بعد تهجير أهالي المخيّم، جاء ليشارك اهله اهل مخيم جنين وجنين ما تعرضوا له،…الاحتلال ،باغته في فجر امس الأول الجمعة في منزله في حي المصاروة،عندما مر شريط الذكريات امام الستيني الذي امضى اكثر من ثلثي عمره في مقارعة الاحتلال،أبى الا أن يكسر لهذا المحتل نمطا اعتاد عليه في البطش والتنكيل،لقد استخف بهم ــ وتعامل معهم بالرغم من انه فردا اعزل ــ وتعامل معهم بروح جيش مضاد ابيّ يرفض الذل والانصياع، تعامل بشرف رتبته العسكرية التي لم يرد لها ان تدنس،تعامل معهم بصرخة خرجت من احشاء احشاءه مشبعة بالرفض والثورة… ووجع أولاده وابنته الاسيرة وأهله وشعبه…. لقد كان يعرف النتيجة،رغم ذلك آثر الثورة على الانصياع… وقضى ليكون ايقونة فلسطينية تتحدث عنها الأجيال،وينحني لها التاريخ.