جاري التحميل...

فتح أمام نفسها: هل حان وقت استنهاض البيت الفتحاوي؟

بقلم : م.محمد علي العايدي

بيان المجلس الثوري لحركة فتح حول الاستعداد للانتخابات التشريعية يفتح بابًا واسعًا من الأسئلة التي لا يجوز أن تبقى معلّقة، لأن الانتخابات لا تُخاض بالبيانات وحدها، ولا تُبنى القوائم في اللحظات الأخيرة، ولا تستنهض الجماهير بالشعارات إذا كانت القاعدة التنظيمية تشعر أن صوتها غائب وأن القرار بعيد عنها.

السؤال اليوم ليس فقط: هل ستشارك فتح في الانتخابات؟

السؤال الأكبر والأكثر إلحاحًا هو: هل فتح جاهزة فعلًا؟ وهل أقاليمها وهيئاتها التنظيمية وقواعدها الجماهيرية جاهزة لهذه المعركة الديمقراطية؟

الانتخابات التشريعية ليست استحقاقًا إداريًا عابرًا، بل امتحان حقيقي لقدرة الحركة على تنظيم صفوفها، واستعادة حضورها بين الناس، وإعادة الاعتبار للأطر التنظيمية، والاستماع إلى كوادرها قبل أن تبدأ مرحلة تشكيل القوائم.

وهنا تحديدًا يجب أن يُطرح السؤال بصراحة: أين الأقاليم؟ وما هو دورها؟

إذا كانت الأقاليم هي العمود الفقري للحركة في المحافظات، فمن حق القاعدة الفتحاوية أن تعرف ما هي خططها، وكيف ستُدار العملية الانتخابية، وكيف ستُستعاد ثقة أبناء الحركة، وكيف سيتم جمع الطاقات بدل أن تتحول الخلافات التنظيمية إلى قوائم متفرقة ومسارات متوازية.

والأخطر من ذلك أن المشهد بدأ يشهد أبناءً من أبناء الحركة يتجهون إلى تشكيل قوائم خارج الأطر التنظيمية، وآخرين يجدون أنفسهم أقرب إلى الاعتبارات العائلية والعشائرية من الإطار الوطني والتنظيمي.

وهذا ليس تفصيلًا صغيرًا يمكن تجاهله.

إنه مؤشر يحتاج إلى قراءة عميقة وشجاعة.

فحين يشعر ابن الحركة أن مكانه الطبيعي لم يعد يتسع له، أو أن صوته لم يعد مسموعًا، فإن الخطر لا يكون فقط في خروجه من القائمة، بل في اتساع المسافة بين القاعدة والقيادة.

فتح لا تحتاج إلى المزيد من الانقسام الداخلي؛ تحتاج إلى مصارحة داخلية.

تحتاج إلى أن تجلس مع أبنائها، تسمع منهم، وتفتح الأبواب أمام الكفاءات والكوادر، وتمارس الأقاليم دورها الحقيقي في العمل التنظيمي وتضع آليات واضحة وعادلة للاختيار، حتى يشعر كل فتحاوي أن الحركة بيته، وأن صندوق الاقتراع داخل الحركة ليس أقل أهمية من صندوق الاقتراع في الانتخابات العامة.

أما العائلة والعشيرة، فهي مكوّن اجتماعي فلسطيني لا يمكن تجاهله، لكن التحدي أمام الحركة هو ألا تتحول الانتخابات إلى سباق بين الانتماءات الاجتماعية على حساب المشروع الوطني والبرنامج السياسي.

فتح التي عرفها الناس كانت أوسع من العائلة، وأكبر من المنطقة، وأعلى من الحسابات الشخصية.

كانت عنوانًا للمشروع الوطني، وبيتًا جمع أبناء فلسطين حول فكرة التحرر والاستقلال والقرار الوطني المستقل.

واليوم، وفي ظل أخطر المراحل التي تمر بها القضية الفلسطينية، فإن المطلوب ليس أن تتبادل الأطر الاتهامات، ولا أن يبحث كل طرف عن مساحة نفوذ خاصة به.

المطلوب هو إعادة بناء الثقة.

المطلوب أن يشعر الشاب الفتحاوي، والمناضل القديم، والمرأة الفتحاوية، والكادر التنظيمي، والأسير المحرر، وأبناء المخيم والقرية والمدينة، بأن لهم مكانًا في مستقبل الحركة.

والمطلوب قبل كل شيء أن تتحول عبارة «وحدة الحركة» من شعار إلى ممارسة.

فالوقت ليس وقت الحسابات الصغيرة.

والمرحلة ليست مرحلة انتظار.

والانتخابات ليست مجرد موعد في التقويم.

إنها اختبار لفتح: لقيادتها، وأقاليمها، ومؤسساتها، وكوادرها، وقدرتها على استعادة المبادرة.

ولذلك فإن السؤال الذي يجب أن يبقى حاضرًا أمام الجميع هو:

فتح إلى أين؟

هل ستدخل الانتخابات بصف واحد، وبرنامج واضح، وقاعدة مستنهضة، وأقاليم فاعلة؟

أم ستذهب إليها بأسماء متنافسة، وقوائم متفرقة، وطاقات موزعة، وحسابات عائلية وتنظيمية تتقدم على المصلحة العامة؟

إن اللحظة تتطلب شجاعة القرار.

افتحوا أبواب التنظيم.

اسمعوا القاعدة.

فعّلوا الأقاليم.

استوعبوا الكفاءات.

وحّدوا الطاقات.

واجعلوا الاختلاف داخل الحركة وسيلة لتطويرها، لا سببًا لتفكيكها.

فالخطر الحقيقي ليس أن يختلف أبناء فتح؛ الخطر أن يتحول اختلافهم إلى مسارات متباعدة، ثم يكتشف الجميع بعد فوات الأوان أن البيت الذي كان يتسع للجميع أصبح بحاجة إلى من يعيد جمع جدرانه.

فتح أمام استحقاق كبير، والوقت المتبقي ليس طويلًا.

ومن يريد لحركة فتح أن تبقى عنوانًا للمشروع الوطني، عليه أن يبدأ من الداخل: من التنظيم، من الأقاليم، من القاعدة، ومن إعادة بناء الثقة.

هذه ليست لحظة الصمت. هذه لحظة المصارحة والاستنهاض والوحدة