جاري التحميل...

فتح بحاجة إلى الكل الوطني وإلى قائد موحّد صاحب كاريزما وطنية شاملة

بقلم د. صالح الشقباوي
أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع
وخبير عسكري

تؤكد التجربة التاريخية لحركة فتح أن معادلات وجودها لم تكن يوماً محكومة فقط بحسابات القوة المادية، وإنما كانت مرتبطة، قبل كل شيء، بقدرتها على إنتاج المعنى الوطني، واستقطاب الفلسطينيين حول مشروع تحرري جامع.
لقد مرت فتح عبر تاريخها بمحطات عديدة من الخلاف والتشقق والانقسام، وواجهت مؤامرات ومحاولات احتواء وتفكيك، لكنها استطاعت في كل مرة أن تتجاوز أزماتها، وكان أحد أهم أسباب ذلك وجود شخصية قيادية استثنائية امتلكت كاريزما وطنية وشعبية هائلة: ياسر عرفات، أبو عمار.
كان أبو عمار عملاق فتح بكل معنى اليقين الوطني والحقيقة التاريخية. لم يكن مجرد رئيس أو قائد تنظيمي، بل كان ظاهرة سياسية ووطنية، استطاع أن يحوّل فتح من تنظيم فلسطيني إلى حالة وطنية جامعة، وأن يجعل من شخصه مساحة تلتقي فيها التيارات والاتجاهات والاختلافات.
كانت كاريزما أبو عمار، بكل ما فيها من قوة ورمزية وأسطورية، قادرة على حماية الحركة من الانهيار عندما كانت عوامل الانقسام تعمل من داخلها وعوامل الاستهداف تعمل من خارجها. ولذلك استطاعت فتح أن تهزم، في مراحل كثيرة، انتصارات خصومها عليها.
أما اليوم، فإننا نفتقد هذه الشخصية الكاريزمية الجامعة.
وليعذرني أخي الرئيس أبو مازن، ولكنني أقولها من موقع المحبة والحرص على فتح والمشروع الوطني: إن أبو مازن يمتلك شرعية سياسية وتاريخاً وطنياً طويلاً، لكنه يفتقد عملياً وواقعياً إلى تلك الكاريزما الشعبية والأسطورية التي امتلكها أبو عمار، والتي كانت قادرة على جمع المتناقضات الفلسطينية تحت سقف واحد.
وهنا تظهر قضية أخرى شديدة الحساسية، وهي قضية التضحية والشهادة.
لقد اختار الرئيس أبو مازن، فكرياً وسياسياً، طريق المفاوضات والعمل السياسي، وانطلق من قناعة بأن موازين القوى ليست في صالح الشعب الفلسطيني، وأن العمل المسلح لا يستطيع أن يحقق أهدافه في ظل اختلال هائل في ميزان القوة.
لكنني أسأل، بكل الاحترام:
هل كانت موازين القوى متساوية عندما أطلقت فتح طلقتها الأولى في عيلبون عام 1965؟
هل كان الفلسطينيون آنذاك يملكون جيشاً أو دولة أو طائرات أو صواريخ أو سنداً دولياً؟
لقد كانوا قلة، وكانت إمكانياتهم محدودة، ومع ذلك قرروا أن يفتحوا الطريق.
بل إن البعض وصفهم آنذاك بالمجانين.
نعم، كانوا “مجانين” في نظر منطق القوة التقليدي، لكنهم كانوا يمتلكون شيئاً لا تستطيع الجيوش وحدها امتلاكه: الإرادة الوطنية والإيمان بأن التاريخ لا يصنعه الأقوياء فقط، وإنما يصنعه أيضاً الذين يرفضون الاستسلام لمنطق القوة.
ولا يمكن لأي شعب محتل أن يحقق توازناً عسكرياً مع المحتل؛ فالمعادلة ليست متساوية أصلاً. لكن الشعوب تستطيع أن تجعل الاحتلال مكلفاً سياسياً وأمنياً واقتصادياً وأخلاقياً، وأن تمنعه من تحويل الاحتلال إلى وضع طبيعي دائم.
وهنا تقدم لنا الجزائر مثالاً تاريخياً عظيماً.
فالشعب الجزائري لم ينتظر أن يصبح أقوى من فرنسا حتى يطالب بحريته. خاض ثورة امتدت أكثر من سبع سنوات، ودفع ثمناً بشرياً هائلاً، وقدم تضحيات جسيمة حتى انتزع استقلاله.
إن الدرس الجزائري ليس دعوة إلى نسخ التجربة أو إلى تمجيد العنف، وإنما هو درس في الإرادة الوطنية والاستعداد لدفع ثمن الحرية.
فالحرية الفلسطينية، مثل كل حرية حقيقية، ليست سلعة مجانية.
لكن التضحية التي يحتاجها الفلسطيني اليوم لا ينبغي أن تُفهم فقط باعتبارها تضحية بالدم. هناك تضحية سياسية، وفكرية، واقتصادية، واجتماعية، ونضالية، وهناك استعداد لتحمل المشقة، والصبر، والثبات، ومواجهة الاحتلال بكل الوسائل المشروعة التي يقرها القانون الدولي.
إن فتح اليوم بحاجة إلى استعادة روحها الأولى: روح الحركة الوطنية التي كانت تتسع للجميع.
فتح بحاجة إلى الكل الوطني، لا إلى فتح التنظيمية الضيقة؛ بحاجة إلى استيعاب الطاقات الفلسطينية كافة، وإلى بناء جسر حقيقي مع مختلف مكونات الشعب الفلسطيني، لأن المرحلة القادمة لا تحتمل الانقسام ولا احتكار القرار ولا الصراع الداخلي.
والأهم من ذلك كله أن فتح بحاجة إلى قائد موحّد، صاحب كاريزما وطنية شاملة؛ قائد لا يكون قائداً لفتح وحدها، وإنما قائداً للمشروع الوطني الفلسطيني، قادراً على مخاطبة فتح وحماس والجهاد والمستقلين والمثقفين والشباب والشتات والداخل، وقادراً على تحويل التناقضات إلى قوة وطنية بدلاً من تحويلها إلى أدوات صراع داخلي.
لقد كان أبو عمار يعرف كيف يجعل من فتح بيتاً واسعاً للفلسطينيين.
وهذا هو التحدي التاريخي أمام فتح اليوم: أن تعيد إنتاج البيت الوطني الجامع، لا أن تكتفي بإعادة إنتاج التنظيم.
إن السكين وصلت إلى الرقبة، والقضية الفلسطينية تمر بمرحلة تاريخية لا تسمح بمزيد من الانتظار. المطلوب ليس البحث عن نسخة ثانية من أبو عمار، فالتاريخ لا يكرر الأشخاص، وإنما المطلوب إنتاج قيادة جديدة تحمل بعض صفاته الكبرى: الكاريزما، والشجاعة، والقدرة على الجمع، والإيمان بالشعب، والاستعداد لتحمل المسؤولية والثمن.
وفي الختام أقول:
من لا يريد أن يضحي من أجل وطنه، ومن لا يستطيع أن يقدم شيئاً لوطنه، ومن يحوّل الوطن إلى وسيلة للامتياز والعيش الرغيد والمصلحة الشخصية، عليه أن يراجع موقعه من هذا الوطن ومن قضيته.
فالوطن ليس امتيازاً يُستغل، ولا غنيمة تُقتسم، ولا سلّماً يصعد عليه البعض إلى المناصب.
الوطن مسؤولية، والحرية ثمن، والاستقلال يحتاج إلى رجال ونساء يؤمنون بأن فلسطين أكبر من الأشخاص، وأبقى من التنظيمات، وأقدس من المصالح.
فتح اليوم بحاجة إلى أن تستعيد فتح التي صنعت التاريخ، لا فتح التي يستهلكها التاريخ.
وبحاجة إلى قائد لا يقود فتح فقط، بل يستطيع أن يقود الكل الفلسطيني نحو وحدة وطنية تعيد للقضية روحها، وللشعب ثقته، وللوطن طريقه نحو الحرية والاستقلال.
د. صالح الشقباوي
أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع
وخبير عسكري