جاري التحميل...

فتح بعد المؤتمر الثامن.. من «مكانك راوح» إلى استعادة الفعل التنظيمي

بقلم؛ م.محمد علي العايدي

أربعة أشهر مضت على المؤتمر الثامن لحركة فتح، وما زال السؤال مشروعاً ومُلِحّاً: ماذا أنجزت القيادة منذ انتهاء المؤتمر؟ وأين هي نتائج ما تم الاتفاق عليه على أرض الواقع؟

قد يكون الجواب قاسياً، لكنه نابع من الحرص لا من التشكيك: ما زلنا نتحرك في مساحة محدودة، يغلب عليها النشاط المرتبط بالتجمعات الانتخابية في المحافظات، وزيارات استقبال الأسرى، وتقديم واجب العزاء بالشهداء، وبعض المناسبات والقضايا الاجتماعية. وكل ذلك مهم ومطلوب، لكنه لا يمكن أن يكون بديلاً عن العمل التنظيمي الحقيقي الذي تحتاجه فتح في هذه المرحلة.

السؤال الأهم: أين الاجتماعات التنظيمية؟ أين خطط الأقاليم والمناطق والشُّعب؟ أين نتائج هذه الاجتماعات؟ وأين نرى أثرها في القواعد؟

فتح لا ينقصها عدد الاجتماعات ولا كثرة الحضور، وإنما ينقصها أن تتحول الاجتماعات إلى قرارات وخطط وبرامج ومتابعة ونتائج ملموسة يشعر بها أبناء الحركة في مواقعهم التنظيمية.

والأمر ذاته ينطبق على بعض الزيارات التي يقوم بها أعضاء من اللجنة المركزية إلى المحافظات والأقاليم، والتي يرافقهم فيها أحياناً عدد كبير من أعضاء المجلس الثوري. إن وجود الإخوة في الصفوف الأولى والاستماع إلى الكلمات واللقاءات أمر جيد، لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا جميعاً هو: ما هو الدور التنظيمي الذي نقوم به خلال هذه الزيارات؟ وماذا نضيف إلى التنظيم؟ وماذا نتابع بعد مغادرتنا المكان؟

نحن بحاجة إلى أن تكون زياراتنا للأقاليم زيارات تنظيمية حقيقية، نلتقي خلالها بالكوادر والقاعدة، نستمع إلى مشكلاتهم، نراجع ما تم إنجازه، نحدد مواطن الخلل، ونساعد في بناء ما هو مطلوب، ثم نعود للمتابعة والتقييم.

أما أن نكتفي بالتواجد في التجمعات، والتقاط الصور، وتبادل الابتسامات، فهذا لا يبني تنظيماً ولا يعيد لفتح عافيتها التنظيمية.

وأقولها بكل محبة وإخلاص: إن عدداً من إخواننا في المجلس الثوري بحاجة إلى مزيد من التأهيل في العمل التنظيمي. وليس في ذلك انتقاص من أحد، ولا تجريح بأحد، فالعمل التنظيمي مدرسة نتعلم فيها جميعاً، مهما كانت مواقعنا ومسؤولياتنا. والموقع التنظيمي لا ينبغي أن يكون امتيازاً بقدر ما هو مسؤولية وتكليف.

نحن في فتح بحاجة اليوم إلى أن نعود إلى القواعد، لا أن ننتظر القواعد حتى تأتي إلينا.

بحاجة إلى أن نكون بين الناس، في الأحياء والقرى والمخيمات والجامعات والنقابات ومؤسسات المجتمع، وأن نستمع إلى المواطن قبل أن نطلب منه أن يستمع إلينا. فالجماهير التي ابتعدت عن الحركة أو أصبحت تنظر إليها بنظرة سلبية لن نستعيد ثقتها بالخطابات، وإنما بالحضور والعمل والإنجاز والصدق والتواضع.

فتح حركة جماهيرية، وقوتها الحقيقية لم تكن يوماً في المكاتب، وإنما في علاقتها بالناس، وفي قدرتها على الوصول إلى القاعدة، والاستماع إليها، وحل مشكلاتها، وتجديد كوادرها، وإعطاء الشباب دورهم، وإعادة الاعتبار للعمل التنظيمي.

لذلك، فإن المرحلة المقبلة تتطلب منّا جميعاً أن ننتقل من مرحلة الكلام عن إعادة بناء فتح إلى مرحلة إعادة بنائها فعلاً.

نريد خطة تنظيمية واضحة بعد المؤتمر الثامن، وجدولاً زمنياً للتنفيذ، وآليات للمتابعة والمحاسبة والتقييم، وأن يعرف كل إقليم ومنطقة وشعبة ماذا عليه أن يفعل، وأن يعرف كل عضو في اللجنة المركزية والمجلس الثوري ما هو دوره تجاه التنظيم، لا أن يكون دوره مرتبطاً بالمناسبات والفعاليات فقط.

هذه ليست دعوة إلى جلد الذات، ولا إلى تصفية الحسابات، وإنما دعوة إلى مراجعة صادقة وشجاعة.

قد ينزعج البعض مما أقول، وهذا حقهم، لكنني أكتب من موقع الأخ الفتحاوي الذي يخاف على حركته ويؤمن بتاريخها ودورها وقدرتها على النهوض من جديد.

فتح أكبر من الأشخاص، وأبقى من المواقع، وأقوى من أي ظرف.

وإذا أردنا أن تستعيد فتح مكانتها، فعلينا أن نستعيد أولاً روحها التنظيمية، وصلتها بقواعدها، وثقة جماهيرها.

آن الأوان أن نغادر مربع «مكانك راوح»، وأن نبدأ العمل الحقيقي.

فتح لا تحتاج إلى مزيد من الصور… فتح تحتاج إلى مزيد من العمل.
لا تحتاج إلى مزيد من الحضور الشكلي… بل إلى حضور تنظيمي فاعل.
ولا تحتاج إلى أن نتحدث باسم القواعد… بل أن نكون بين القواعد ومعها ومن أجلها.

هذا هو الطريق الذي يعيد لفتح عافيتها، ويجعل من مخرجات مؤتمرها الثامن واقعاً يُرى ويُلمس، لا مجرد قرارات تبقى في الأوراق.

وما زال الأمل كبيراً… لأن فتح، حين تستعيد روحها، قادرة على النهوض من جديد