تخيّلوا معي……..رجالًا أعلنوا انطلاقة الثورة الفلسطينية وأطلقوا الرصاصة الأولى وقاتلوا في معركة الكرامة وصمدوا في حرب لبنان عام 1982، وحملوا اسم فلسطين من خندق إلى خندق ومن عاصمة إلى عاصمة. في سوريا، في الأردن، في لبنان، في تونس، في قبرص… وفي أماكن كثيرة لم تكن تعرف فلسطين حتى عرّفتها دماء الفدائيين.
استشهد منهم أبطال كبار وبقي منهم أحياء ممن كتب الله لهم طول العمر. وكان المفترض أن يبقى معهم أيضًا طول الحكمة لكن يبدو أن الحكمة… سافرت في إجازة طويلة ولا اعتراض على حكم الله.
وأقولها منذ البداية وبلا مواربة: أنا أعشق فتح وأعشق تاريخها وأعشق دماء شهدائها وأعشق تلك الحركة التي صنعت كرامة الفلسطيني في أصعب الأزمنة. ولهذا بالتحديد أكتب لأن من يعشق فتح لا يستطيع أن يسكت حين يرى بعضهم يشوّهها.
فالحركة التي كانت مدرسة للفداء تحولت عند بعضهم إلى شركة عائلية، والثورة التي كانت بيت الفقراء والمناضلين أصبحت عندهم مزرعة عائلية مغلقة. الأب وزير والأم وزيرة والابن وزير وشقيقه وزير. وفي داخل هذه “العائلة المباركة” تجد خمسة موظفين من الفئة العليا وعشر سيارات حكومية فارهة ومصفحة وخمسين مرافقًا يتناوبون على الحراسة.
والمفارقة الموجعة أن كثيرًا من هؤلاء المرافقين أبطال خرجوا من السجون الاسرائليه فكان يفترض أن يكونوا قادة في المشهد، فإذا بهم حراسًا لبطونٍ كبرت أكثر من الثورة نفسها. بطون سياسية كبيرة لم تعرف جوع الفدائي في الخنادق ولكنها تعرف جيدًا موائد السلطة الطويلة.
وفي وسط هذا المشهد يظهر لنا بين الحين والآخر واعظٌ رسمي يكثر من الحديث عن “الدين، ” من وجهة نظره ويغرقنا بالخطب والمواعظ ويذكّر الناس بالزهد والتقوى وكأنه نزل لتوّه من منبر في السماء. لكنك إذا دققت قليلًا في المشهد اكتشفت أن الحكاية أغرب من الخطب نفسها.
فالرجل الذي يتحدث عن الزهد، تكاد بصمات عائلته تظهر في كل زاوية من زوايا الدولة: منصب هنا، وقنصل هناك، ووظيفة عليا في مكان ثالث… حتى يخيل إليك أن الوزارات تحولت إلى ملاحق إدارية لعائلة الواعظ العظيم .
أما حكايته الشخصية… فهي قصة تستحق التأمل. فالرجل لم يأتِ من صحراء التقشف لا بل يبدو أنه وصلنا ذات يوم قادماً من جهة البحر… بسرعةٍ توحي أن الريح كانت خلفه لا أمامه ومن يومها “الأغبر ” وهو يعظ الناس بالصبر والثبات… بينما قصته مع الصمود تشبه قصص المسافرين الذين يبدّلون الموانئ بسرعة حين تعلو الأمواج.
ثم تنظر إليه فتكتمل اللوحة الساخرة:
صوتٌ متكلف يخرج من حنجرةٍ لا تعرف القرار ومخارج كلماتٍ تتعثر كما تتعثر قدماه في الجملة نفسها وهيئةٌ توحي وكأن الطبيعة نفسها ارتبكت قليلًا أثناء تصميم هذا الواعظ. ومع ذلك يواصل الرجل خطبه بثقة العارفين ويحدثنا عن الأخلاق وكأنه آخر الحكماء او عاصر الخلافاء الراشدين .
والمفارقة الأكبر أن هذا الواعظ بكل ما حوله من حاشية ومواكب ومخصصات وسفر درجة أولى ومكاتب مصفحة يكلف خزينة الدولة أكثر مما تكلفه وزارة الحرب الأمريكية في يومٍ هادئ. كل هذا الضجيج من الخطب وكل هذا الاستعراض من المواعظ… وفي النهاية لا يبقى في الهواء شيئا.
أما السيارات… فحدّث ولا حرج فلو جمعناها في معرض واحد لظن الناس أننا نفتتح معرض سيارات دولي. سيارات رسمية وسيارات حكومية وسيارات للحراس وسيرات للأحفاد وأخرى للأسواق وسيارت للاحتياط… حتى صار المشهد أقرب إلى أسطولٍ رسمي منه إلى منزل موظف يعمل لدى الشعب الفلسطيني لا نعرف مسماه الوظيفي .
أما السفر… فالسفر قصة أخرى. فالسفر عند بعض المسؤولين لم يعد مهمة عمل بل أصبح أسلوب حياة. مؤتمر هنا وندوة هناك وزيارة رسمية في دولة بعيدة “البرازيل مثلاً “وصورة تذكارية في مطار جديد… حتى يكاد المرء يظن أن بعضهم أصبح من رجال الأعمال العالميين لا مسؤولين في سلطة وطنية ما زالت تحت الاحتلال وليس لديها رواتب للموظفين الحقيقيين .
ومع ذلك أقولها مرة أخرى: فنحن نعشق فتح. نعشق فتح التي عرفناها في المخيمات، فتح التي صنعها الفقراء، فتح التي حملت البندقية والقلم قبل أن تحمل المناصب. ولهذا نقول الحقيقة دون خوف: من يشوّه فتح… لا يمثل فتح وستعيده فتح لسيرته الاولى صدقوني “مشوه”.
ثم يسألون ببراءة مذهلة: كيف ضاعت غزة؟؟؟ الحقيقة أن غزة لم تضِع حبًا بأحد بل ضاعت حين أصبحت صراعات الكراسي أهم من الوطن. كانوا يتنازعون على السلطة بينما الوطن نفسه كان ينزلق من بين أيديهم.
والحقيقة الأوضح من الشمس أن من هرب من غزة وتركها لقدرها وتركها تحت حكمٍ يعرف الجميع اسمه دون أن نحتاج لذكره، لن يستطيع أن يصنع مع الشعب الفلسطيني التحرير ولا أن يقود الطريق إلى الدولة. فنحن في فتح لم نقاتل لنحكم فقط بل قاتلنا لأن لدينا حلمًا كبيرًا: حلم الحرية، حلم الدولة الفلسطينية، وحلم السلام العادل الذي يحفظ كرامة شعبنا.
وهذا الحلم أكبر بكثير من بطونٍ سياسية جرباء وأكبر من عائلاتٍ ظنت أن الثورة إرثٌ خاص بها وهي عائلات غير معروفة للشعب الفلسطيني .
وأكررها مرة ثالثة: أنا أعشق فتح وأعرف أن فتح الحقيقية ليست في البطون المنتفخة ولا في أساطيل السيارات ولا في العائلات التي تحولت الإبلاغ ى عائلات ثم إلى مؤسسات. فتح الحقيقية هي فتح الشهداء والأسرى، فتح التي صنعت الكرامة الفلسطينية.
ولهذا أقولها بثقة: سنستعيد مجد فتح… أنا وأمثالي من أبنائها الصادقين. سنستعيدها من الكراسي الثقيلة، ومن البطون الصغيرة الشرهة التي كبرت على حساب الثورة، ومن الذين ظنوا أن الوطن ميراث شخصي.
وسنستعيد معها الحلم الأكبر… السلام العادل والدولة الفلسطينية. نعم ستصنع فتح السلام والدولة، لكننا سنصنعها بأبنائها الحقيقيين… بأولئك الذين ما زالوا يؤمنون أن فتح كانت وما زالت أكبر من الجميع.
وسنفرح بذلك وسيبارك الله لنا ذلك، وسيفرح بنا أبونا وملهمنا ومعلمنا أبو مازن الرئيس الذي ما زال يحمل رؤية السلام العادل حين ننزل هذه البطون الجرباء والثقيلة عن صدر الوطن .البطون التي اغتصبت الوطن طويلا واغتصبت الحلم طويلًا، ونمضي نحو التحرير المنشود وتحقيق رؤيته في السلام والدولة والكرامة الفلسطينية









