في ظل التحولات العميقة التي تعصف بالقضية الفلسطينية، تبدو الحاجة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى لإعادة بناء التوازن داخل حركة فتح بين جناحيها في الداخل والخارج، ليس بوصفه مطلبًا تنظيميًا فحسب، بل كضرورة وطنية تعيد للحركة دورها التاريخي كحامل رئيسي للمشروع الوطني الفلسطيني.
لقد قامت فتح، منذ انطلاقتها، على معادلة تكاملية بين الداخل والخارج، حيث شكّل الشتات الفلسطيني خزّانًا بشريًا وسياسيًا وماليًا للحركة، فيما مثّل الداخل ساحة الفعل المباشر والمواجهة اليومية مع الاحتلال. هذه الثنائية لم تكن يومًا موضع تناقض، بل كانت مصدر قوة ومرونة، مكّنت الحركة من الاستمرار والتأثير عبر عقود طويلة.
غير أن هذه المعادلة شهدت اختلالًا تدريجيًا في العقود الأخيرة، حيث تراجع حضور تنظيم الخارج وتقلّصت أدواره، لصالح تمركز القرار والتنظيم في الداخل، بفعل نشوء السلطة الفلسطينية ومتطلبات إدارتها. ومع أن هذا التحول كان له ما يبرره في سياقه، إلا أنه أفضى إلى تهميش دور الخارج، وإضعاف أحد أهم روافد القوة الفلسطينية، خاصة في المجالين السياسي والدولي.
ولعل استحضار التجربة التاريخية يوضح حجم الخسارة الناتجة عن هذا التراجع.
فقد لعبت قواعد فتح في الخارج دورًا حاسمًا في بناء شبكة علاقات دولية واسعة، وأسهمت في إيصال الصوت الفلسطيني إلى المنابر العالمية، كما كانت حاضرة بقوة في حشد الدعم السياسي والمالي، وفي صوغ الرواية الفلسطينية في مواجهة الرواية الصهيونية.
ولم يكن هذا الدور هامشيًا، بل كان جزءًا من معركة التحرر نفسها.
إن استعادة هذا الدور لا تعني العودة إلى الماضي، بل إعادة توظيفه في سياق جديد، يراعي التحولات التي يشهدها العالم.
فاليوم، لم تعد الدبلوماسية التقليدية وحدها كافية، بل باتت معركة الوعي والرواية تحتل موقعًا مركزيًا، حيث تتشكل القناعات عبر الإعلام الرقمي، ومنصات التواصل، وشبكات التأثير العابرة للحدود.
وهنا يبرز تنظيم الخارج كأداة استراتيجية قادرة على العمل في هذه المساحات بمرونة وفاعلية.
لكن إعادة الاعتبار للخارج تقتضي، بالضرورة، إصلاحًا مؤسسيًا داخل حركة فتح، يضمن تمثيلًا حقيقيًا وفاعلًا له في مؤتمرات الحركة وهيئاتها القيادية. فالشراكة الوطنية لا يمكن أن تكون انتقائية أو رمزية، بل يجب أن تعكس وحدة الشعب الفلسطيني في كل أماكن وجوده.
كما أن تجديد البنية التنظيمية، والانفتاح على الكفاءات الشابة في الخارج، من شأنه أن يضخ دماء جديدة في شرايين الحركة، ويعيد ربطها بالأجيال الفلسطينية الصاعدة.
في المقابل، يبقى الداخل الفلسطيني هو قلب المعركة، حيث تتجسد يوميًا معاني الصمود والبقاء. غير أن هذا الداخل، المحاصر بإجراءات الاحتلال، يحتاج إلى عمق استراتيجي خارجي يسانده، ويدافع عنه في المحافل الدولية، ويعيد صياغة صورته في الوعي العالمي.
ومن هنا، فإن العلاقة بين الداخل والخارج يجب أن تُبنى على التكامل الوظيفي، لا على التنافس أو الإقصاء.
نافذة الفرصة: المؤتمر الثامن
وفي هذا السياق، تبرز فرصة سياسية وتنظيمية بالغة الأهمية أمام حركة فتح، وهي تستعد لعقد مؤتمرها الثامن في الرابع عشر من أيار/مايو القادم.
فهذا الاستحقاق لا ينبغي أن يُنظر إليه كحدث دوري فحسب، بل كمنعطف مفصلي يمكن أن يعيد تصويب المسار، ويؤسس لمرحلة جديدة أكثر توازنًا وشمولًا.
إن المؤتمر الثامن قادر، إذا ما توفرت الإرادة، على إعادة الاعتبار لتنظيم الخارج عبر تمثيل عادل وفاعل، وعلى إقرار إصلاحات تنظيمية تعزز الشراكة الحقيقية داخل الحركة.
كما يمكن أن يشكل منصة لإعادة تعريف دور فتح في المرحلة الراهنة، بوصفها حركة تحرر وطني عابرة للجغرافيا، تستمد قوتها من وحدة شعبها في الداخل والشتات.
بل إن هذا المؤتمر يحمل في طياته إمكانية إعادة بناء الثقة، ليس فقط داخل أطر الحركة، بل أيضًا مع الحاضنة الفلسطينية والعربية والدولية، التي تترقب رؤية فتح أكثر تماسكًا وقدرة على الفعل.
فكلما اتسعت دائرة المشاركة، وتعززت الشفافية، واستُعيدت روح الشراكة، ازدادت قدرة الحركة على استعادة دورها القيادي.
خلاصة القول :
إن استعادة التوازن داخل حركة فتح ليست ترفًا تنظيميًا، بل شرطًا لاستعادة الفاعلية الوطنية الفلسطينية.
فحركة بلا امتداد خارجي فاعل، تفقد جزءًا كبيرًا من قدرتها على التأثير، كما أن خارجًا بلا مركز وطني قوي يفقد بوصلته ومعناه.
واليوم، تقف فتح أمام لحظة نادرة: فرصة لإعادة البناء من الداخل، والانفتاح على الخارج، واستعادة روحها الجامعة.
إن نجاح المؤتمر الثامن في التقاط هذه اللحظة، وتحويلها إلى برنامج عمل حقيقي، قد يشكل بداية استعادة المعنى والدور.
ففي زمن تتعرض فيه القضية الفلسطينية لمحاولات متسارعة للتهميش والتفكيك، يصبح الرهان على فتح المتوازنة، الموحدة، والمتجددة، رهانًا على بقاء القضية نفسها حيّة في الوعي… وفي الواقع… وفي المستقبل.
د . عبد الرحيم جاموس
الرياض
29/3/2026 م








