لم تكن فتح يوماً اسماً عابراً في سجل الحركات، ولا بندقيةً تبحث عن كتف، بل كانت لحظة وعيٍ انفجرت في زمن الصمت، وصوتاً خرج من رحم النكبة ليقول: هنا فلسطين، وهنا يبدأ الطريق.
وُلدت فتح من وجعٍ نظيف، من خيمةٍ تعرف أن العودة ليست حلماً بل حقاً، ومن شابٍ أدرك أن الوطن لا يُستعاد بالانتظار. لم ترفع فتح راية الفصيل بقدر ما رفعت راية الشعب، ولم تسأل الفلسطيني عن انتمائه الضيق، بل عن استعداده لأن يكون فلسطينياً حتى النهاية.
كانت فتح ثورة المعنى قبل ثورة السلاح؛ حين قررت أن الفلسطيني ليس لاجئاً أبدياً، بل مقاتل حر، وأن الهوية ليست بطاقة، بل دمٌ يسيل دفاعاً عن الأرض. في بيانها الأول، لم تكتب شعراً، لكنها كتبت قدراً، وأعلنت أن زمن الهزيمة العربية قد انتهى عند بوابة الكرامة.
فتح هي تلك الفكرة التي مشت على أقدام الفقراء، وحملت الكلاشينكوف بيد، وغصن الزيتون بالأخرى، ولم ترَ تناقضاً بين الحلم والبارود. هي المدرسة التي علمت أبناءها أن الثورة أخلاق قبل أن تكون رصاصة، وأن الانضباط ليس قيداً بل شرف.
في شوارع المخيمات، كبرت فتح مع الأطفال، وفي الجبال تعلمت الصبر، وفي المنافي حفظت الذاكرة من النسيان. وحين حاول العالم اختزال القضية، كانت فتح تردّ: فلسطين أكبر من الجغرافيا، وأعمق من السياسة.
قد تتعب الثورة، وقد تخطئ، وقد تنحني للعاصفة، لكن فتح لم تنكسر يوماً في جوهرها؛ لأنها لم تُبنَ على وهم، بل على قناعة أن الحرية تُنتزع ولا تُمنح. وكلما ظنّ العدو أن الزمن كفيل بإطفائها، عادت فتح أكثر عناداً، كأنها تعرف أن عمرها من عمر القضية.
فتح ليست ماضياً نتغنى به، بل مسؤولية نحملها. ليست ذكرى شهداء فقط، بل وصية أحياء: أن تبقى فلسطين أولاً، وأن يبقى القرار وطنياً، وأن تبقى الثورة أخلاقية حتى في أقسى لحظات الصراع.
هي فتح…
حين يكون الوطن فعلاً لا شعاراً،
وحين تكون الثورة هوية،
وحين يصبح النضال طريقاً لا رجعه فيه





