تمرّ القضية الفلسطينية اليوم في واحدة من أدقّ مراحلها منذ عقود. فبينما يتواصل التوسع الاستيطاني وتتصاعد اعتداءات المستوطنين على القرى والمدن الفلسطينية، يجد الشعب الفلسطيني نفسه في لحظة تاريخية تتقاطع فيها التحولات الإقليمية والدولية مع واقع الاحتلال الذي يسعى إلى فرض وقائع جديدة على الأرض. في ظل انشغال العالم بالصراعات الكبرى، ولا سيما التوتر المتصاعد بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تبدو القضية الفلسطينية وكأنها تُدفع عمداً إلى هامش الاهتمام الدولي، وهو ما يمنح الاحتلال مساحة أوسع لتكثيف سياساته التوسعية ومحاولاته تصفية الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.
إن ما يجري على الأرض ليس مجرد تصعيد عابر، بل هو جزء من مشروع سياسي يسعى إلى إعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا في الضفة الغربية والقدس عبر الاستيطان ومصادرة الأراضي وتقطيع أوصال المدن والقرى الفلسطينية. وفي الوقت نفسه، تتصاعد اعتداءات المستوطنين بحماية مباشرة من الجيش الإسرائيلي، في محاولة لفرض معادلة جديدة تقوم على ترهيب المجتمع الفلسطيني ودفعه نحو حالة من الاستنزاف الدائم. غير أن التجربة التاريخية للشعب الفلسطيني أثبتت أن مثل هذه السياسات، رغم قسوتها، لم تنجح يوماً في كسر الإرادة الوطنية أو في إلغاء الحق الفلسطيني في أرضه ووطنه.
في هذا السياق المعقد، تبرز الحاجة الملحّة إلى مراجعة وطنية جادة تعيد ترتيب البيت الفلسطيني وتعزز عناصر الصمود والمقاومة الشعبية. وهنا تتقدم حركة التحرير الوطني الفلسطيني – فتح بوصفها الحركة التي قادت المشروع الوطني الفلسطيني لعقود طويلة، والتي ارتبط اسمها ببداية الثورة الفلسطينية المعاصرة وبإعادة الاعتبار للهوية الوطنية الفلسطينية على الساحة الدولية. إن المسؤولية التاريخية التي تحملتها الحركة منذ انطلاقتها عام 1965 لم تكن مجرد دور تنظيمي أو سياسي، بل كانت تعبيراً عن إرادة شعب يسعى إلى الحرية والاستقلال.
لقد شكّلت فتح على مدى سنوات طويلة العمود الفقري للحركة الوطنية الفلسطينية، ونجحت في الحفاظ على حضور القضية الفلسطينية في المحافل الدولية وفي قيادة المؤسسات الوطنية، وفي مقدمتها منظمة التحرير الفلسطينية التي اعترف بها العالم ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني. كما لعبت دوراً مركزياً في بناء مؤسسات السلطة الوطنية وفي ترسيخ فكرة النضال الشعبي والسياسي في مواجهة الاحتلال.
غير أن المرحلة الراهنة تفرض تحديات مختلفة تتطلب من الحركة وقفة تنظيمية جادة تعيد فيها تعزيز بنيتها الداخلية وتجديد طاقاتها القيادية والشبابية. فالقوة الحقيقية لأي حركة تحرر وطني لا تقاس فقط بتاريخها، بل بقدرتها على التجدد والاستجابة لمتغيرات الواقع. إن تقوية البناء التنظيمي لفتح، وإعادة الحيوية لأطرها الحركية في المدن والقرى والمخيمات، تمثل خطوة أساسية لإعادة تفعيل دورها القيادي في الشارع الفلسطيني.
كما أن المرحلة تتطلب توسيع وتعزيز المقاومة الشعبية المنظمة، بوصفها أحد أهم أدوات النضال الوطني في ظل اختلال موازين القوى العسكرية. لقد أثبتت التجارب أن المقاومة الشعبية، عندما تكون منظمة ومدعومة بإجماع وطني، قادرة على إرباك الاحتلال وفضح سياساته أمام الرأي العام الدولي، كما أنها تعزز صمود المجتمع الفلسطيني وتحافظ على جذوة النضال حية في وجدان الأجيال الجديدة.
إن المطلوب اليوم ليس فقط مواجهة الاحتلال، بل أيضاً حماية المشروع الوطني الفلسطيني من التآكل أو التهميش. وهذا يتطلب خطاباً سياسياً واضحاً يعيد التأكيد على الثوابت الوطنية: إنهاء الاحتلال، إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وضمان حق العودة للاجئين الفلسطينيين وفق قرارات الشرعية الدولية.
وفي خضم التحولات الإقليمية المتسارعة، تبقى الحقيقة الأساسية أن فلسطين ليست قضية عابرة في التاريخ السياسي للمنطقة، بل هي قضية شعب يسعى إلى الحرية والكرامة. وكلما اشتدت الضغوط والتحديات، تبرز الحاجة إلى وحدة وطنية صلبة وإلى حركات سياسية قادرة على قيادة المرحلة بثقة ومسؤولية.
إن حركة فتح، بتاريخها وتضحياتها وحضورها الشعبي، ما زالت تمتلك المقومات التي تؤهلها للقيام بهذا الدور، شريطة أن تستثمر هذه اللحظة التاريخية في تجديد نفسها وتعزيز حضورها بين الناس، وأن تقود مشروعاً وطنياً جامعاً يعيد الاعتبار للنضال الشعبي ويمنح الشعب الفلسطيني أملاً متجدداً في الحرية والاستقلال. ففي نهاية المطاف، تبقى قوة أي حركة تحرر في قدرتها على الارتباط بشعبها، وفي قدرتها على تحويل المعاناة اليومية إلى طاقة سياسية ووطنية تدفع مسيرة التحرر إلى الأمام








