تتجه غدا الأنظار إلى القاهرة، حيث يبدأ حوار وطني فلسطيني يبحث إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة، ومستقبل العلاقة بين الفصائل ومنظمة التحرير الفلسطينية، وصولًا إلى الانتخابات التشريعية والرئاسية. حوارٌ يأتي في واحدة من أصعب اللحظات التي تمر بها قضيتنا، فيما يرزح شعبنا تحت الاحتلال، وتثقل حياته الأزمات الاقتصادية والمعيشية، وتتسع الضغوط على السلطة ومؤسساتها، في محاولة واضحة لإضعاف دورها الوطني.
في هذه اللحظة، تتحمل حركة فتح مسؤولية تاريخية لا تحتمل الحسابات الصغيرة. فهي ليست مجرد فصيل يبحث عن موقع في السلطة، بل عمود أساسي في المشروع الوطني الفلسطيني، وحاملة إرث القرار الوطني المستقل، وبناء منظمة التحرير، والنضال من أجل الدولة الفلسطينية.
ومن هنا، فإن تكليف الأخ الفريق جبريل الرجوب بقيادة الحوار الوطني قرار يستحق الدعم والالتفاف حوله. نحن معه وخلف هذا التوجه، لا لأن الطريق سهل، بل لأننا نعرف صعوبته وندرك أن الحوار معقد، وأن حماية المشروع الوطني تتطلب صلابة في الموقف، وحكمة في إدارة الخلاف، وتمسكًا بالثوابت دون التفريط بفرص الوحدة.
لقد دفع شعبنا أثمانًا باهظة نتيجة الانقسام، ونتيجة سياسات قدّمت الحسابات الحزبية والأيديولوجية على المصلحة الوطنية. وتجربة حكم الإسلام السياسي، وما خلّفته من أضرار في وحدة النظام السياسي والقرار الوطني، لا يجوز تجاوز دروسها أو التعامل معها كأنها لم تحدث. لكن الوحدة لا تُبنى بإغلاق الأبواب، بل بشراكة واضحة تحمي منظمة التحرير، وتكرّس القرار المستقل، وتحتكم إلى صندوق الاقتراع، وتخضع الجميع لقانون واحد ومرجعية وطنية واحدة.
نريد وحدةً تنهي الانقسام، لا اتفاقًا يمنحه عمرًا جديدًا. وشراكةً تحمي الدولة، لا اقتسامًا للسلطة. وحوارًا يعيد القرار إلى المؤسسة الوطنية، لا إلى الحسابات الفصائلية.
وبالتوازي مع هذا المسار، يخوض الأخ حسين الشيخ نائب رئيس الدولة، بتوجيهات السيد الرئيس محمود عباس، معركة سياسية ودبلوماسية مكثفة عبر اتصالاته بالمجتمعات الغربية والعربية، لشرح الموقف الفلسطيني والدفاع عن حقوق شعبنا بمهنية ووضوح. فالمعركة في القاهرة من أجل ترتيب البيت الفلسطيني، والمعركة في الخارج من أجل حماية الرواية والحقوق الوطنية، مساران متكاملان يحتاج كل منهما إلى الآخر.
لكن لا يجوز أن ننسى الناس وسط هذه التحركات. فالموظف الذي ينتظر راتبه، والعسكري الذي أفنى عمره في خدمة المؤسسة، والأسرة التي تحسب ثمن الدواء والخبز، والشباب الذين تضيق أمامهم الفرص، جميعهم ينتظرون من قيادتهم ما يتجاوز البيانات واللقاءات: أملًا حقيقيًا، وكرامةً مصونة، ومسارًا يعيد الثقة بالمستقبل. وفوق ذلك، يواصل الاحتلال اقتحام المدن وتضييق الخناق على شعبنا، مستهدفًا الأرض والإنسان ومؤسساتنا الوطنية.
يا أبناء فتح، هذه ليست لحظة مزايدات أو تصفية حسابات داخلية. إنها لحظة الالتفاف حول القرار الوطني المسؤول، ودعم القيادة في تحركاتها، مع الاحتفاظ بحق النقد والمراجعة وتصويب الأخطاء. فالتنظيم القوي ليس تنظيمًا بلا اختلاف، بل تنظيم يعرف كيف يحوّل اختلافه إلى قوة، وكيف يضع مصلحة فلسطين فوق مصالح أفراده.
لقد علّمتنا فتح أن الدولة أكبر من الفصائل، وأن الوحدة ليست صورة أمام الكاميرات، بل مرجعية شرعية واحدة، وقانون يسري على الجميع، وقرار وطني مستقل، وسلاح شرعي يحمي الدولة ولا ينازعها سيادتها.
فتح اليوم أمام اختبار جديد: أن تثبت أن تاريخها ليس ذاكرةً نستحضرها، بل مسؤوليةً ننهض بها حين تشتد المحن.
معًا خلف القرار الوطني، معًا من أجل وحدة حقيقية، ومعًا لحماية المشروع الوطني الفلسطيني. لأن فلسطين أكبر من خلافاتنا وأغلى من حساباتنا، وتستحق منا أن نكون على قدر تضحيات شعبها.