عندما يُذكر اسم فتح، لا نتحدث عن تنظيم سياسي عابر، ولا عن مرحلة انتهت بانتهاء أحداثها، بل نتحدث عن مدرسة وطنية صنعت جزءًا كبيرًا من التاريخ الفلسطيني المعاصر، وكتبت صفحاتها بدماء الشهداء، وآهات الأسرى، وصمود الجرحى، وصبر شعبٍ رفض أن يتخلى عن حقه في الحرية.
فتح ليست كلمات تُقال في المهرجانات، ولا شعارات تُرفع على المنصات. فتح هي أم الشهيد الذي ودّع ابنه وهو يزفه إلى الوطن، وهي الأسير الذي أمضى سنوات عمره خلف القضبان ولم يساوم على كرامته، وهي الجريح الذي حمل وجعه وسامًا، وهي المناضل الذي بقي ثابتًا رغم قسوة الطريق.
لقد حمل الشهيد الخالد ياسر عرفات وإخوانه المؤسسون حلم شعبٍ كامل، وانطلقوا بمشروع وطني فلسطيني مستقل، عنوانه أن القرار الفلسطيني يجب أن يبقى فلسطينيًا، وأن فلسطين لا تكون تابعة إلا لشعبها وإرادته الحرة. فكان منهم من ارتقى شهيدًا، ومنهم من رحل بعد عمرٍ من النضال، ومنهم من بقي يحمل الراية، مؤمنًا بأن الأوطان لا تُبنى إلا بالتضحية.
لم تكن مسيرة فتح طريقًا مفروشًا بالورود، بل كانت مليئة بالتحديات والحروب والملاحقات والاغتيالات والحصار. ومع ذلك، بقيت الحركة حاضرة في كل مراحل النضال الوطني، وقدمت أشكالًا متعددة من المقاومة والعمل السياسي والدبلوماسي والشعبي، انطلاقًا من قناعتها بأن الدفاع عن الحقوق الوطنية يتخذ صورًا مختلفة وفق ظروف كل مرحلة.
نعم… من يعمل يخطئ، ومن يتحمل مسؤولية وطن بأكمله قد يقع في اجتهادات يختلف الناس حولها. لكن الفرق كبير بين من يخطئ وهو يعمل، وبين من يقف على الهامش لا يحمل مسؤولية ولا يقدم بديلًا. فالتجارب الوطنية تُراجع وتُصحح، أما التاريخ فلا يُمحى، والتضحيات لا تُلغى، والعطاء لا يُنكر.
لقد دفعت فتح أثمانًا باهظة دفاعًا عن المشروع الوطني الفلسطيني، وقدمت آلاف الشهداء والأسرى والجرحى، ولم تكن يومًا حركة تبحث عن مجدٍ شخصي، بل حملت قضية شعب بأكمله إلى العالم، حتى أصبحت فلسطين حاضرة في المحافل الدولية، وحافظت على الهوية الوطنية الفلسطينية في أصعب المراحل.
وكانت الوحدة الوطنية، ولا تزال، خيارًا استراتيجيًا للحركة. ففلسطين أكبر من أي فصيل، وأقدس من أي خلاف، ولا مستقبل لقضيتنا إلا بوحدة الصف، وتكامل الجهود، واحترام التعددية السياسية، وجعل المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.
واليوم، ونحن نقف أمام تحديات مصيرية، يصبح الواجب الوطني أن ننظر إلى المستقبل بعين المسؤولية، لا بعين التجريح، وأن نستفيد من التجارب، ونصحح الأخطاء، ونبني على الإنجازات، لأن الشعوب التي لا تراجع نفسها لا تتقدم، والشعوب التي تتنكر لتاريخها تفقد بوصلتها.
ستبقى فتح، كما يراها أبناؤها وأنصارها، حركة العطاء قبل أن تكون حركة السلطة، وحركة التضحية قبل أن تكون حركة السياسة، وحركة الوطن قبل أن تكون حركة التنظيم. وستظل رايتها مرفوعة بإرادة المناضلين، وبوفاء الأوفياء، وبإيمان الفلسطينيين بأن الحرية لا تُورث، بل تُنتزع بالصبر والعمل والوحدة.
وسيأتي اليوم الذي ترفرف فيه راية فلسطين فوق القدس، مدينة المآذن وأجراس الكنائس، عاصمة الدولة الفلسطينية المستقلة، لأن الشعوب التي تؤمن بحقها، وتحفظ تاريخها، وتتمسك بوحدتها، لا بد أن تصل إلى غايتها مهما طال الطريق.
فتح كانت وما زالت وستبقى… حكاية وطن، ومسيرة شعب، وعهدًا لا ينكسر بأن فلسطين أولًا، وفلسطين أخيرًا، وفلسطين دائمًا