بقلم الدكتور صالح الشقباوي
حين نناقش مستقبل حركة فتح في المرحلة التي ستلي رحيل الرئيس محمود عباس، فإن السؤال لا ينبغي أن يختزل في: من سيخلفه؟ بل في سؤال أعمق وأخطر: أي فتح ستولد بعده؟
فالمسألة ليست انتقال موقع من شخص إلى آخر، وإنما اختبار حقيقي لقدرة الحركة على تجاوز التوازنات التي تراكمت داخلها، وإعادة تعريف ذاتها باعتبارها فكرة وطنية فلسطينية قبل أن تكون إطاراً تنظيمياً أو ساحة لتنافس مراكز القوى.
هناك قوى وشخصيات متعددة داخل المشهد الفتحاوي، لكل منها رؤيتها وحساباتها وموقعها التاريخي والتنظيمي. ومن أبرز الأسماء المتداولة في هذا السياق حسين الشيخ، وماجد فرج، وجبريل الرجوب، ومحمود العالول، ومروان البرغوثي، فيما يمثل محمد دحلان مساراً مختلفاً بحكم موقعه السياسي والتنظيمي الحالي.
لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود تعدد الآراء والتيارات؛ فالاختلاف يمكن أن يكون مصدر قوة. الخطر يبدأ عندما تتحول التيارات إلى مشاريع أشخاص، وعندما يصبح الموقع أكبر من الفكرة، والشخص أكبر من الوطن.
وهنا أستعيد قاعدة أراها جوهرية في فهم مستقبل فتح:
إذا كان كل واحد منا يؤمن بأن الوطن أكبر منه، يمكن أن نعود إلى فتح الفكرة. أما إذا اعتقد كل واحد أن ذاته أكبر من الوطن، فسنبقى متبعثرين.
إن التجديد الحقيقي لا يبدأ بتوزيع المواقع، وإنما يبدأ من نكران الذات وإعلاء ذات الوطن.
فلسطين يجب أن تكون المرجعية الجامعة لكل الفلسطينيين، وفتح، بحكم تاريخها، لا ينبغي أن تتحول إلى ملكية خاصة لأي فرد أو مجموعة. فتح كانت فكرة قبل أن تكون موقعاً، وكانت مشروعاً وطنياً قبل أن تكون مؤسسات ومراكز نفوذ.
ومن هنا فإن المرحلة المقبلة تحتاج، قبل أي ترتيبات قيادية، إلى توافق على المبادئ الكبرى، حتى لو تعذر التوافق في البداية على البرامج التفصيلية.
ما الذي يمكن أن يجمع المختلفين؟
أولاً: فلسطين أولاً.
المصلحة الوطنية الفلسطينية يجب أن تكون فوق المصالح الشخصية والتنظيمية.
ثانياً: فتح فكرة وليست ملكية.
لا يملكها فرد، ولا عائلة، ولا تيار، ولا جيل؛ فهي جزء من التاريخ الوطني الفلسطيني.
ثالثاً: المؤسسة فوق الشخص.
الشخص يأتي ويذهب، أما المؤسسة الوطنية فتستمر.
رابعاً: الاختلاف ليس انقساماً.
يمكن أن تختلف البرامج والاجتهادات، لكن لا ينبغي أن يتحول الاختلاف إلى إلغاء متبادل.
خامساً: تجديد الأجيال.
فتح تحتاج إلى الجمع بين ذاكرة المؤسسين وخبرة الجيل التاريخي وطاقة الأجيال الجديدة.
سادساً: حوار فتحاوي دائم.
الحوار لا ينبغي أن يكون اجتماعاً موسمياً عند الأزمات، بل آلية سياسية وتنظيمية مستمرة لإدارة الاختلاف.
سابعاً: المصالحة الفتحاوية.
أي مستقبل مستقر للحركة يحتاج إلى معالجة الانقسامات الداخلية على قاعدة سياسية وتنظيمية واضحة، لا على قاعدة الإقصاء أو الثأر.
إنني لا أعتقد أن الطريق سيكون سهلاً؛ فلكل مجموعة برنامجها ورؤيتها ومصالحها السياسية، وقد تكون المسافات بينها واسعة. ولذلك فإن الحديث عن توافق كامل وفوري قد يكون غير واقعي.
لكن يمكن البدء من نقطة أبسط وأعمق:
أن نتفق جميعاً على أن فلسطين أكبر من فتح، وأن فتح أكبر من الأشخاص.
ومن هنا يمكن أن يبدأ الحوار.
فليست القضية أن ينتصر حسين الشيخ على غيره، أو ماجد فرج على غيره، أو الرجوب، أو العالول، أو البرغوثي، أو دحلان؛ القضية أن تبحث فتح عن صيغة تجعل فلسطين هي الرابح الأول، وتجعل الحركة قادرة على استعادة دورها الوطني في مرحلة فلسطينية شديدة التعقيد.
فالقيادة التي تحتاجها فتح في المستقبل ليست بالضرورة قيادة شخص واحد، بل قيادة تؤمن بأن شرعيتها تأتي من قدرتها على جمع المختلفين حول مشروع وطني، لا من قدرتها على إخضاع المختلفين لها.
وهنا يصبح نكران الذات السياسي فضيلة وطنية، لا ضعفاً.
فالذي يجعل نفسه أكبر من فتح يصغر أمام التاريخ، والذي يجعل فتح أكبر من نفسه يظل جزءاً من تاريخها.
والذي يجعل فلسطين أكبر من الجميع، يصبح قادراً على أن يكون جسراً بين الماضي والمستقبل.
فتح لا تحتاج إلى وراثة الأشخاص؛ تحتاج إلى تجديد الفكرة.
وقد يكون هذا هو الاختبار الحقيقي لفتح ما بعد أبو مازن:
هل ستبقى أسيرة التوازنات التي تشكلت في عهده، أم ستعيد اكتشاف ذاتها الأولى، وتنتقل من فتح الأشخاص إلى فتح الفكرة، ومن صراع المواقع إلى بناء الوطن؟
ذلك هو السؤال الذي سيجيب عنه الزمن.
فلسطين أولاً… وفتح للجميع، والوطن أكبر من الجميع.