فتح من شرعية الثورة إلى صناعة المستقبل في ظل قانون الاحزاب القادم

بقلم :م.محمد علي العايدي

تمر القضية الفلسطينية بمرحلة مفصلية من تاريخها الوطني، عنوانها تجديد الشرعيات وإعادة بناء المؤسسات الوطنية الفلسطينية، وصولاً إلى تشكيل مجلس وطني جديد يعبر عن الفلسطينيين في الوطن والشتات، ويفتح الباب أمام مرحلة سياسية مختلفة تتطلب رؤية جديدة وأدوات جديدة دون التخلي عن الثوابت الوطنية التي شكلت جوهر النضال الفلسطيني عبر العقود.

وفي قلب هذه التحولات تقف حركة فتح، الحركة التي قادت المشروع الوطني الفلسطيني منذ انطلاقتها، أمام استحقاق تاريخي جديد لا يتعلق بالحفاظ على مكانتها فحسب، بل بقدرتها على تجديد ذاتها وقيادة شعبها نحو المستقبل.

لقد حمل المؤتمر الثامن دلالات مهمة، أبرزها الحضور الواسع لجيل الشباب في مؤسسات الحركة، وهو ما يعكس إدراكاً متزايداً بأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى ضخ دماء جديدة وإعطاء الفرصة لجيل يحمل طاقة الحاضر وطموحات المستقبل. غير أن التجديد الحقيقي لا يقف عند حدود تغيير الوجوه، بل يتطلب تطوير الفكر التنظيمي والسياسي وتعزيز المشاركة والمساءلة وربط المسؤولية بالإنجاز.

إن إعادة تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني وفق أسس جديدة تراعي تمثيل الداخل والخارج تشكل فرصة تاريخية لإعادة الاعتبار للمؤسسات الوطنية الجامعة، وتعزيز دور منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني. وفي هذه المرحلة تصبح مسؤولية فتح مضاعفة، لأنها مطالبة بالحفاظ على وحدة النظام السياسي الفلسطيني وتعزيز الشراكة الوطنية وإشراك مختلف الطاقات الفلسطينية في معركة التحرر والبناء.

أما إذا اتجه النظام السياسي الفلسطيني نحو إقرار قانون للأحزاب السياسية، فإن فتح يجب أن تكون الأكثر استعداداً لهذه المرحلة. فالحركات الكبرى لا تخشى المنافسة، بل تثبت حضورها من خلال قوة برامجها وعمق حضورها الشعبي وقدرتها على التعبير عن تطلعات الناس.

وعلى فتح أن تتحول إلى نموذج سياسي وتنظيمي حديث يجمع بين إرثها الثوري العريق ومتطلبات العمل السياسي المعاصر، وأن تستثمر في الشباب والكفاءات والخبرات، وأن تفتح المجال أمام المبادرات الجديدة والأفكار الخلاقة، لأن التنظيم الذي يتوقف عن التجدد يبدأ بالتراجع مهما كان تاريخه عظيماً.

ويبقى السؤال الأهم: أين تتجه المقاومة الفلسطينية في المرحلة القادمة؟

إن المقاومة لم تكن يوماً شكلاً واحداً أو وسيلة واحدة، بل كانت دائماً تعبيراً عن إرادة الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال وانتزاع حقوقه الوطنية. واليوم تتسع ساحات النضال لتشمل المقاومة الشعبية، والصمود على الأرض، ومواجهة الاستيطان، والعمل السياسي والدبلوماسي والقانوني والإعلامي، إلى جانب كل أشكال النضال المشروعة التي يقرها القانون الدولي للشعوب الواقعة تحت الاحتلال.

فالمطلوب ليس التخلي عن مفهوم المقاومة، بل تطوير أدواتها وتوحيد أهدافها وربطها باستراتيجية وطنية شاملة تحافظ على وحدة الشعب الفلسطيني وتعزز صموده وتدافع عن حقوقه في كل المحافل.

أما شعار “ثورة حتى النصر”، فإنه لا يفقد معناه بتغير الظروف ولا بتبدل الأجيال، لأن الثورة ليست مجرد بندقية أو مرحلة زمنية، بل هي مشروع وطني مستمر ما دام الاحتلال قائماً وما دامت الحقوق الوطنية الفلسطينية غير مكتملة.

لكن الوفاء لهذا الشعار لا يكون بترديده فقط، بل بتحويله إلى برنامج عمل وطني يقوم على الوحدة الوطنية، وتجديد المؤسسات، وتعزيز المشاركة الشعبية، وبناء الإنسان الفلسطيني القادر على حمل راية النضال جيلاً بعد جيل.

إن المرحلة القادمة تفرض على حركة فتح أن تكون حركة مبادرة لا حركة انتظار، وحركة تجديد لا حركة اجترار للماضي، وحركة وطنية جامعة تستوعب التحولات السياسية والاجتماعية التي يعيشها الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات.

لسنا حركة تبحث عن البقاء، بل حركة وجدت لتبقى ما بقيت فلسطين، ولتتجدد ما تجددت أجيالها، ولتواصل مسيرة التحرر الوطني حتى يتحقق النصر الذي استشهد من أجله الشهداء وناضل من أجله الأسرى وصمد من أجله شعب فلسطين.

لسنا أسرى للماضي مهما كان عظيماً، بل أوفياء له ونحن نبني المستقبل. فالتاريخ الذي صنعته فتح لم يكن محطة للتوقف، بل نقطة انطلاق متجددة نحو الحرية والاستقلال والعودة وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.

وإذا كان جيل المؤسسين قد صنع الانطلاقة، فإن مسؤولية جيل اليوم أن يصنع المستقبل، وأن يكتب فصلاً جديداً من فصول النضال الفلسطيني عنوانه الوحدة والتجديد والصمود. فالشعوب لا تقاس بما تتذكره فقط، بل بما تصنعه للأجيال القادمة.

ستبقى فتح قوية ما بقيت قريبة من شعبها، تسمع صوته وتحمل همومه وتدافع عن حقوقه، وما بقيت بوصلتها متجهة نحو فلسطين. وستبقى راية “ثورة حتى النصر” مرفوعة لا كشعار يزين المنابر، بل كعهد متجدد بالوفاء لفلسطين ولتضحيات شعبها حتى تحقيق الحرية والاستقلال والعودة، وبناء الدولة الفلسطينية المستقله على ترابنا الوطني بعاصمتها القدس الشريف