السياسي – تجد المقررة الخاصة في الأمم المتحدة للأراضي الفلسطينية، فرانشيسكا ألبانيز، نفسها اليوم في مرمى الهجمات من واشنطن، فبعد أن اتهمت المحققة الحكومات والشركات بالتواطؤ في حرب غزة، فإنها لم تعد تستطيع استخدام بطاقة الائتمان البنكية الخاصة بها.
وفي تقرير أعده مراسل مجلة “بوليتيكو” لشؤون المناخ في أوروبا، كارل ماثيسين، قال إن ألبانيز كانت على المسرح لتلقي جائزة وسط تصفيق حاد، عندما علمت لأول مرة كيف ستعاقبها الولايات المتحدة.
وقد كان ذلك في 9 تموز/يوليو من العام الماضي، وكانت الخبيرة القانونية الإيطالية، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، في العاصمة السلوفينية ليوبليانا، تنهي محاضرة استمرت ساعتين حول تقريرها الأكثر إثارة للجدل حتى الآن. وعندما انتهت المحاضرة، وقفت ألبانيز لتحيي المعجبين، عندما صعد أحد المنظمين إلى المنصة، وانحنى نحوها وهمس في أذنها: “فرضت الولايات المتحدة عقوبات عليك“.
أحنت ألبانيز رأسها وحدقت في الأرض، محاولة استيعاب ما يعنيه ذلك، وتفكر في ضرورة الاتصال بزوجها وأطفالها. فالعقوبات ستقطع عنها وعن عائلتها الخدمات المصرفية والسفر والتكنولوجيا الأمريكية.
هل سيكونون بخير؟ لكن الحشد ما زال هناك، يصفق ويهتف. رفعت رأسها فجأة، ومدت ذراعيها على اتساعهما، وراحتاها مواجهتان لمؤيديها، بابتسامة ساخرة تقول: “ماذا عساك أن تفعل؟”. وبعد ثوان قليلة رفعت قبضتها في الهواء.
وفي حديث للمجلة هذا الشهر، آذار/مارس، قالت ألبانيز: “لقد كنت خائفة وقلت لنفسي: أي مافيا هذه”، في إشارة للحكومة الأمريكية، “لكنهم لن يكسرونا”. وموقف ألبانيز واضح من الحرب على غزة، مما يجعلها مثار إعجاب وكره على قدر المستوى.
ويرى مؤيدوها، بمن فيهم ناشطو حقوق الإنسان والفلسطينيون وبعض الإسرائيليين، وعدد كبير من المتابعين على الإنترنت، في ألبانيز صوتًا نادرًا وقويًا يكسر حاجز الصمت واللامبالاة الذي خيم على غزة بينما ترتكب جريمة تاريخية هناك.
أما أعداؤها، المسؤولون الإسرائيليون وأمريكيون وجماعات مراقبة معاداة السامية ومجموعة من الحكومات الأوروبية، فيقولون إنها معادية للسامية، وإن تصويرها المبسط للصراع ولغتها التحريضية يؤججان الكراهية ضد اليهود.
إلا أن العقوبات الأمريكية مثلت تصعيدًا، جاء وسط الحملة الواسعة لتشويه سمعتها وإسكاتها. وكانت العقوبات تعبيرًا صارخًا عن القوة الأمريكية وعدوانها، فهي، في نهاية المطاف، مجرد خبيرة في الأمم المتحدة تعمل بدون أجر، وسلاحها الحقيقي الوحيد، إلى جانب السلطة الرمزية لمنصبها، هو صوتها. وهذه النقطة التي ستثيرها عائلتها في محكمة في مقاطعة كولومبيا يوم الأربعاء، حيث يطعنون في العقوبات على أساس حرية التعبير.
وتقول المجلة إن القيود المفروضة على ألبانيز اليوم مخصصة عادة لأباطرة المخدرات والإرهابيين، ولكن ما الذي فعلته لكي تثير كل هذا الغضب الأمريكي؟ تجيب ألبانيز قائلة إن “هذا الغضب نابع لأني فقأت عيني الدب”، و”ليس عينا واحدة”.
وما الذي أوصل هذه القانونية إلى هذه المرحلة من المواجهة مع أمريكا؟ ذلك أنه لا يوجد في حياتها الأولى ما يشير إلى ذلك. وبالنظر إلى الوراء، فقد كانت طفلة مولعة بالقراءة من عائلة مثقفة صارمة في أريانو إيربينو، وهي بلدة صغيرة في جنوب إيطاليا، وتتذكر إحساسًا عميقًا بالظلم نادرًا ما كانت تفصح عنه.
وكبرت وهي معجبة بالمناضلين المناهضين للفاشية مثل ساندرو بيرتيني، الرئيس الإيطالي السابق، والمدعين العامين الذين كشفوا سيطرة المافيا على الدولة، جيوفاني فالكوني وباولو بورسيلينو. وعندما علمت بتستر الكنيسة الكاثوليكية على الاعتداءات الجنسية على الأطفال، توقفت عن حضور القداس.
لكنها كانت، في الغالب، منجذبة إلى قوة المؤسسات، فبعد دراسة القانون، عملت في الأمم المتحدة ومنظمات غير حكومية معنية بحقوق الإنسان وفي الأوساط الأكاديمية، وأصبحت خبيرة رائدة في القانون الذي يحكم اللاجئين الفلسطينيين. ثم، في عام 2021، اقترح عليها مايكل لينك، المقرر الخاص المعني بفلسطين، أن تتقدم لخلافته.
ومهما حدث بعد ذلك، فقد اكتشفت ألبانيز موهبة ليس فقط في توثيق انتهاكات إسرائيل، بل في الحديث عنها أيضًا. وقالت في فعالية أقيمت في سلوفينيا: “لا مجد في توثيق الإبادة الجماعية”. ومع ذلك، تحظى بإعجاب كبير من معجبيها، الذين يبلغ عددهم 1.3 مليون متابع على إنستغرام، تمامًا كنجوم البوب، ويعجبون بصراحتها وشجاعتها وجاذبيتها، وحتى بنظارتها ذات الإطار السميك. وقالت إنها “تتقن ما تفعله”، وهو “جزء من سوء الحظ”.
فهي واحدة من عشرات المقررين الخاصين المكلفين من قبل الأمم المتحدة بتقديم تقارير عن قضايا حقوق الإنسان حول العالم. ويتمثل دورها، وهو منصب أُنشئ عام 1993، تحديدًا في التحقيق مع إسرائيل بشأن انتهاكاتها للقانون الدولي في الأراضي الفلسطينية. ولم يحظ أي من أسلافها بمستوى التقدير العالمي الذي حظيت به ألبانيز.
وتولت ألبانيز منصبها في 2022، أي قبل عام من هجوم حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، ورد إسرائيل عليه، الذي أدى إلى مقتل أكثر من 75,000 فلسطيني، حسب مجلة “لانسيت” الطبية البريطانية. وكانت ألبانيز من أوائل الأصوات الرسمية التي وصفت ما حدث في غزة بالإبادة الجماعية، وهو ما خلص إليه تقريرها الصادر في آذار/مارس 2024. وبعد 18 شهرًا، خلصت لجنة تابعة للأمم المتحدة إلى النتيجة نفسها.
وتقول: “لا أعتبر وصفهم لي بالناشطة إهانة أو استخفافًا. ماذا بالمقابل؟ أن أكون مسالمة؟ ما معنى الصمت أمام الإبادة الجماعية؟”.
وقد عاشت عائلتها في واشنطن العاصمة ثلاثة أعوام بدءًا من 2012، حيث انضمت إلى زوجها ماسيمليانو كالي، الخبير الاقتصادي في البنك الدولي، واشتروا شقة، قرروا بيعها خوفًا من تجميد أصولهم المالية المحتوم، وعندما جاء مشتر وعرض سعرًا جيدًا، قام مكتب مراقبة الأصول الأجنبية في الخزانة بقتل العرض، رغم أن الشقة هي كل ما يملكونه من ثروة.
حتى مشاركاتها في فعاليات خارج الولايات المتحدة تُلغى بشكل متكرر بناء على نصيحة قانونية، أو دون أي تفسير على الإطلاق. وأخبرها خبراء تواصلت معهم خلال عملها أن محاميهم نصحوهم بعدم التحدث معها. وفي محادثات تطبيق سيغنال، شاهدت أصدقاءها وزملاءها يغادرون بهدوء المجموعات التي كانت فيها.
وقال كالي إنه قلق على سلامة ألبانيز، فقد وقعت حوادث مريبة: جواز سفر في غرفة فندق، نُقل إلى جزء من الغرفة لم تستخدمه، وزجاج مكسور منتشر بعناية وبشكل متساو على عتبة منزلها في تونس، حيث تقف حافية القدمين كل صباح لتودع أطفالها إلى المدرسة.
وقالت إنها تلقت اتصالات من جهات “مقربة من إدارة ترامب” شجعتها على الاستقالة بهدوء، وحثتها على التفكير في الأثر السلبي الذي يتركه هذا القرار على عائلتها. وقد منعت الولايات المتحدة ألبانيز وكالي من دخول البلاد. وهذا يعني أن ابنتهما، وهي مواطنة أمريكية لكنها قاصر، لا تستطيع عمليًا العودة إلى بلدها الأم. كما يعني أيضًا أن كالي أصبح المعيل الوحيد للأسرة، ولا يمكنه دخول مقر البنك الدولي.
وترى ألبانيز نفسها ضحية حملة لإسكاتها، وهو شعور يتفاقم بفعل حدة الرد الأمريكي. وقال دبلوماسي سابق في وزارة الخارجية الأمريكية، طلب عدم الكشف عن هويته: “إن استهداف مسؤولة في الأمم المتحدة أمر لم يحدث قط خلال أكثر من 18 عامًا قضيتها في الوزارة، ومن المرجح أنه ينتهك قوانيننا الخاصة بحرية التعبير”.
وقد كان جزء أساسي من تلك الحملة هو الادعاءات بأن آراءها حول إسرائيل تستند إلى معاداة السامية، وهو ما رفضته ألبانيز: “لا يمكن استخدام الدين الذي تدعي إسرائيل اتباعه كذريعة لقتل الأطفال أو تعذيبهم، أليس كذلك؟ ولا يمكن استخدام الكفاح المشروع ضد معاداة السامية كسلاح ضد أولئك الذين يطالبون بالعدالة لهؤلاء الأطفال”.
ومن بين أبرز منتقديها منظمة “يو إن ووتش” التي تتخذ من جنيف مقرًا لها و”رابطة مكافحة التشهير” في نيويورك، وهي جزء من مجموعات جمعت تصريحات ألبانيز التي ترى أن من حق الفلسطينيين المقاومة ضد اضطهاد إسرائيل.
وترى ألبانيز أن الهجمات عليها جزء من محاولة لتبييض الجرائم التي تحدث في غزة، وهو رأي تشترك فيه 500 جماعة يهودية تقدمية في رسالة دعمتها في كانون الأول/ديسمبر 2024.
ووفقًا لدراسات أكاديمية متعددة وتقارير معمقة وكتب عديدة، فإن هذه حيلة مألوفة تستخدمها الجماعات المؤيدة لإسرائيل لتشويه سمعة منتقديها.
وعندما أعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو فرض عقوبات على ألبانيز الصيف الماضي، قال إنها “أطلقت تصريحات معادية للسامية بشكل سافر، وأبدت دعمها للإرهاب، واحتقرت الولايات المتحدة وإسرائيل والغرب علنًا”. لكن لم يكن أي من ذلك السبب الرئيسي وراء هذه الخطوة، وفقًا لمسؤول سابق رفيع المستوى في البيت الأبيض، مطلع على تفاصيل العقوبات، والذي طلب عدم الكشف عن هويته، بل رسائلها للشركات المتورطة بالإبادة.
وبدأ الأمر في نيسان/أبريل وأيار/مايو 2025، عندما وجهت ألبانيز رسائل إلى 48 شركة وجامعة ومؤسسة مالية، تخطرهم فيها بأنها، من وجهة نظرها، متواطئة في إبادة جماعية وتستفيد منها. وقالت إنها تعتزم الكشف عن أسمائها في تقرير قادم.
ومن بين الشركات: ألفابت، ولوكهيد مارتن، وبلاك روك، وشيفرون، وبالانتير، وكاتربيلر.
وبعد أن وصل خبر الرسائل إلى مسامع مسؤولي ترامب، تواصلوا بشكل غير رسمي مع معارفهم في كبرى الشركات الأمريكية. هل تلقوا رسالة تهديد؟ ومع ورود الردود، بدأت تتضح لهم ضخامة وجرأة خطوتها، بحسب مسؤول سابق في البيت الأبيض.
وقال المسؤول السابق: “إن كون مسؤولة في الأمم المتحدة معادية للسامية أو معادية لإسرائيل لا يذكر في نشرات الأخبار المسائية، هذا أمر معتاد في الأمم المتحدة. أما البدء بالتحرك ضد الشركات والمديرين التنفيذيين الأمريكيين وتهديدهم، فهذا ليس بالأمر المعتاد”.
وفي النهاية، تقول ألبانيز إن حياتها كرست بالكامل تقريبًا لمهمتها. وفي يوم الاثنين، كان عيد ميلادها التاسع والأربعين، والذي صادف أيضًا يوم الأرض. وحجم الكابوس في غزة والضفة الغربية هائل، ومهمتها هي استيعابه ونقله إلى العالم أجمع. هذا يكلفها الكثير، أكثر من أي عقوبات أمريكية.
وقالت: “أنا لست فلسطينية، ولكن لا يشترط أن تكون فلسطينيًا لتشعر بالألم الذي يعانيه هؤلاء الناس، ومن الصعب مقاومة كل هذا العنف مع الحفاظ على التسامح والإنسانية”.






