في خضم التحولات السياسية والأمنية المتسارعة التي تشهدها المنطقة العربية، تبدو القضية الفلسطينية اليوم أمام واحدة من أخطر مراحلها التاريخية، ليس فقط بسبب استمرار الاحتلال الإسرائيلي وعدوانه المتواصل على الشعب الفلسطيني، بل أيضًا بسبب محاولات إعادة تشكيل الإقليم سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا بطريقة تُخرج فلسطين من مركز الصراع، وتُعيد تعريف أولويات المنطقة وفق رؤية أمريكية ـ إسرائيلية جديدة.
لقد شهد الشرق الأوسط خلال العقدين الأخيرين تحولات عميقة بدأت بالغزو الأمريكي للعراق، مرورًا بتفكك عدد من الدول العربية، وصعود النفوذ الإيراني، وانفجارات الربيع العربي، وما تبعها من حروب وانقسامات وصراعات إقليمية حادة. وفي ظل هذا المشهد المضطرب، نجحت إسرائيل إلى حد بعيد في استثمار حالة الضعف والانقسام العربي لإعادة تموضعها داخل المنطقة باعتبارها “شريكًا أمنيًا” لبعض الدول العربية، وخاصة الخليجية، تحت عنوان مواجهة “الخطر الإيراني”.
وهنا تكمن الخطورة الاستراتيجية الحقيقية.
فبعد أن كان الصراع العربي ـ الإسرائيلي يمثل القضية المركزية للأمة العربية لعقود طويلة، بدأت ملامح تحول تدريجي تظهر في الخطاب السياسي والإعلامي الإقليمي، يقوم على نقل مركز الصراع من الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين إلى الصراع مع إيران.
ولا يمكن إنكار أن بعض السياسات الإيرانية، بما شملته من تدخلات في الشؤون العربية، ودعم جماعات مسلحة خارج إطار الدولة الوطنية، ومحاولات توسيع النفوذ الإقليمي، قد ساهمت في خلق مخاوف عربية حقيقية، خاصة لدى دول الخليج العربي. وقد استثمرت الولايات المتحدة وإسرائيل هذه المخاوف بذكاء، لتسويق فكرة أن إسرائيل يمكن أن تكون حليفًا طبيعيًا وشريكًا استراتيجيًا في مواجهة إيران.
وفي عهد الرئيس الأمريكي Donald Trump، أخذ هذا المشروع أبعادًا أكثر وضوحًا من خلال ما عُرف بـ”صفقة القرن”، واتفاقات التطبيع، ومحاولات بناء تحالف إقليمي جديد تكون إسرائيل أحد أعمدته الرئيسية.
لقد تحولت القضية الفلسطينية، في الرؤية الأمريكية الجديدة، من قضية تحرر وطني وحق تاريخي وقانوني، إلى “ملف يمكن تأجيله”، بينما أصبح المطلوب عربيًا هو الانخراط في ترتيبات أمنية وسياسية جديدة تحت عنوان: الأمن مقابل التطبيع.
أي أن بعض الدول العربية تُدفع نحو التطبيع مع إسرائيل مقابل:
ضمانات أمنية أمريكية،
وصفقات تسلح،
وحماية سياسية،
واحتواء النفوذ الإيراني.
لكن هذا المسار يتجاهل حقيقة أساسية لا يمكن القفز فوقها، وهي أن إسرائيل ما تزال دولة احتلال تمارس:
الاستيطان،
والحصار،
وتهويد القدس،
والتمييز العنصري،
وحرمان الشعب الفلسطيني من حقه المشروع في إقامة دولته المستقلة.
ومن الناحية القانونية، تبقى القضية الفلسطينية واحدة من أوضح قضايا الاحتلال في القانون الدولي المعاصر. فقرارات الأمم المتحدة، واتفاقيات جنيف، والرأي العام الدولي، كلها تؤكد عدم شرعية الاحتلال والاستيطان، وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وعودة لاجئيه.
غير أن المشكلة الكبرى تكمن في ازدواجية المعايير الدولية، حيث يتم تعطيل القانون الدولي كلما تعلق الأمر بإسرائيل، بفعل الحماية الأمريكية والغربية المستمرة.
إن أخطر ما في التحولات الجارية ليس فقط التطبيع بحد ذاته، بل محاولة إعادة تشكيل الوعي السياسي العربي، بحيث تصبح إسرائيل “شريكًا في الأمن والاستقرار”، بينما يجري التعامل مع مقاومة الاحتلال وكأنها عبء على المنطقة.
وفي هذا السياق، يجري الحديث عن “شرق أوسط جديد” تكون فيه إسرائيل مركزًا للتكنولوجيا والاقتصاد والأمن، بينما يتم تهميش الحقوق الفلسطينية أو تأجيلها إلى أجل غير معلوم.
لكن التاريخ يؤكد أن أي مشروع إقليمي لا يقوم على العدالة واحترام حقوق الشعوب سيبقى مشروعًا هشًا وقابلًا للانفجار.فالتحالف مع الاحتلال، ولا على تجاوز القضية الفلسطينية، بل على:
إنهاء الاحتلال،
واحترام القانون الدولي،
وبناء نظام إقليمي قائم على التوازن والتعاون واحترام سيادة الدول.
كما أن مواجهة التحديات الإقليمية، بما فيها السياسات الإيرانية، لا ينبغي أن تتحول إلى بوابة لشرعنة الاحتلال الإسرائيلي أو تسليم المنطقة لمعادلات الهيمنة الجديدة.
إن الأمن القومي العربي لا يمكن أن يتحقق عبر الارتهان للقوى الخارجية، بل عبر مشروع عربي مستقل يعيد بناء الدولة الوطنية، ويحقق التنمية والاستقرار، ويحفظ الحقوق العربية وفي مقدمتها حق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال.
لقد أثبتت التجارب أن تجاهل القضية الفلسطينية لا يلغيها، بل يؤجل انفجارها. ففلسطين لم تكن يومًا قضية حدود فقط، بل قضية عدالة وكرامة وهوية وحق تاريخي.
ولهذا، فإن كل محاولات إعادة تشكيل المنطقة على حساب فلسطين ستظل عاجزة عن إنتاج سلام حقيقي أو استقرار دائم.
ويبقى السؤال الكبير المطروح على العرب اليوم: هل يُعاد بناء النظام الإقليمي العربي على أساس المصالح الآنية والتحالفات المؤقتة، أم على أساس مشروع عربي مستقل يحفظ الأمن القومي العربي ويصون الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني؟
عبد الرحيم جاموس
الرياض
28/5/2026 م





