فلسفة الإنجاز وحدود الممكن: قراءة في تجربة الرئيس محمود عباس

بقلم: د. صالح الشقباوي

في التجربة السياسية للرئيس محمود عباس تتجلى مفارقة فلسفية عميقة بين ما يمكن تسميته بـ”إرادة التاريخ” و”حدود الواقع”. فالرجل لم يأتِ من سياق الثورة المسلحة بقدر ما جاء من سياق التأسيس الهادئ لفكرة الدولة، ومن هنا يمكن فهم مشروعه بوصفه انتقالاً أنطولوجياً من الكينونة الثورية إلى الكينونة السياسية.
لقد سعى الرئيس أبو مازن إلى إعادة تعريف الوجود الفلسطيني، ليس فقط كفعل مقاومة، بل كـ”حضور قانوني” في النظام الدولي. وفي هذا السياق، شكّل اعتراف الجمعية العامة للأمم المتحدة بدولة فلسطين بصفة مراقب غير عضو عام 2012 لحظة تحوّل وجودي، حيث خرجت فلسطين من دائرة “القضية” إلى فضاء “الدولة الممكنة”. وهنا يتبدى الإنجاز ليس كتحقق نهائي، بل كإثبات للوجود داخل بنية النظام الدولي.
إن فلسفة أبو مازن تقوم على مركزية القانون الدولي كأداة نضالية، وهو ما تجسد في الانضمام إلى محكمة الجنايات الدولية، حيث تحوّل الصراع من ميدان القوة إلى ميدان الشرعية. وهذا التحول يعكس إيماناً عميقاً بأن قوة الحق يمكن أن تتفوق – ولو نظرياً – على حق القوة.
غير أن هذا الخيار يفتح سؤالاً فلسفياً معقداً: هل يمكن للحق أن ينتصر في عالم تحكمه موازين القوة؟ هنا تظهر حدود المشروع، حيث يصطدم الطموح الأخلاقي بواقع سياسي لا يعترف إلا بالقوة المادية. ومن ثم، فإن تجربة الرئيس أبو مازن تكشف عن مأزق الفعل السياسي في الحالة الفلسطينية: التمسك بالمشروعية الدولية في عالم يفتقر إلى العدالة الفعلية.
على مستوى الداخل، حاول أبو مازن تثبيت الكيانية الفلسطينية من خلال تعزيز مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية، والحفاظ على استمرارية منظمة التحرير الفلسطينية كإطار تمثيلي جامع. وهنا يتجلى البعد السوسيولوجي في مشروعه، حيث تصبح الدولة – حتى في صورتها الناقصة – ضرورة للحفاظ على الهوية ومنع التفكك.
لكن هذا المسار لم يكن خالياً من التناقضات. فالانقسام الفلسطيني شكّل ضربة أنطولوجية لوحدة الكينونة الوطنية، وأعاد طرح سؤال الهوية: هل نحن شعب واحد أم كيانان سياسيان؟ كما أن غياب الأفق السياسي وركود العملية التفاوضية أفرغا المشروع من ديناميكيته التاريخية.
إن قراءة تجربة أبو مازن تفرض علينا التمييز بين “الإنجاز كفعل” و”الإنجاز كتحقق”. فهو قد أنجز على مستوى الاعتراف والتمثيل، لكنه لم يحقق الدولة كواقع سيادي مكتمل. ومن هنا، فإن إنجازه الحقيقي يكمن في تثبيت الفكرة، لا في تجسيدها الكامل.
في الخلاصة، يمكن القول إن فلسفة الرئيس محمود عباس هي فلسفة الممكن السياسي، لا المستحيل الثوري. إنها محاولة لإعادة بناء القضية الفلسطينية ضمن منطق الدولة والقانون، لا منطق الثورة والسلاح. لكنها تبقى تجربة مفتوحة على سؤال مركزي:
هل يمكن لفلسفة الدولة أن تنجح دون امتلاك شروط القوة؟
هذا السؤال لا يخص الرئيس أبو مازن وحده، بل يخص المشروع الوطني الفلسطيني بأكمله، وهو سؤال سيظل معلقاً بين سماء الشرعية الدولية وأرض الواقع السياسي، إلى أن يجد التاريخ إجابته.