جاري التحميل...

فلسفة الرئيس أبو مازن: من مقاومة العدم الصهيوني إلى بناء فلسفة البقاء والديمومة الوطنية الفلسطينية

قراءة فلسفية في جدلية الذات والوطن والدولة

لم تعد القضية الفلسطينية اليوم مجرد صراع على الأرض أو الحدود، بل أصبحت معركة وجود بين مشروعين متناقضين: مشروع يسعى إلى نفي الآخر وإقصائه وإلغاء حضوره التاريخي، ومشروع يتمسك بالبقاء، ويعيد إنتاج ذاته رغم محاولات المحو والإلغاء. ومن هذا المنظور يمكن قراءة فلسفة الرئيس محمود عباس (أبو مازن) بوصفها محاولة لبناء استراتيجية وجودية تجعل من بقاء الشعب الفلسطيني واستمرار مشروعه الوطني أولوية فلسفية وسياسية.
لقد أدرك أبو مازن أن اختلال موازين القوى العسكرية والإقليمية والدولية يجعل من المغامرة غير المحسوبة تهديدًا مباشراً للوجود الفلسطيني ذاته. ومن هنا جاءت رؤيته القائمة على حماية الكينونة الوطنية ومنع انهيارها، باعتبار أن الحفاظ على الذات شرط سابق على أي تحول سياسي أو تاريخي.
إن ما يمكن تسميته بـ”العدم الصهيوني” لا يُقصد به الوجود الإسرائيلي في حد ذاته، وإنما السياسات التي تستهدف إنكار الوجود الوطني الفلسطيني، ونفي روايته التاريخية، وتقويض حقه في تقرير مصيره. وفي مواجهة هذا العدم، يسعى الرئيس أبو مازن إلى إنتاج فلسفة مضادة قوامها تثبيت الحضور الفلسطيني في التاريخ والقانون والسياسة والوعي العالمي.
وفي هذه الرؤية، تصبح الدولة الفلسطينية أكثر من مجرد سلطة أو مؤسسات؛ إنها تجسيد قانوني وأخلاقي لإرادة البقاء الوطني. ولذلك ظل الرئيس أبو مازن يتمسك بهدف إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، باعتبارها الركن الأساسي للمشروع الوطني الفلسطيني، لا بوصفها نهاية التاريخ، وإنما محطة تؤكد الاعتراف بالوجود الفلسطيني وحقوقه.
ويبرز هنا أحد أهم الأبعاد الفلسفية في فكره، وهو التمييز بين الدولة والوطن. فالدولة بناء سياسي وقانوني يمكن أن يتعرض للاحتلال أو التعطيل أو حتى الانهيار، أما الوطن فهو الذاكرة الجماعية، والهوية التاريخية، والانتماء الحضاري الذي لا يزول بزوال المؤسسات. ومن ثم فإن الوطن أوسع من الدولة، والدولة وسيلة لحماية الوطن وليست بديلاً عنه.
ومن هذا المنطلق، فإن الحفاظ على الهوية الفلسطينية يصبح واجباً وجودياً قبل أن يكون خياراً سياسياً. فالهوية هي التي تمنح المشروع الوطني معناه، وهي التي تحول دون تفكك المجتمع الفلسطيني أمام ضغوط الاحتلال والانقسام والهجرة والاقتلاع.
وفي ظل اختلال موازين القوى، تبدو فلسفة الرئيس أبو مازن محاولة لتحرير الذات الفلسطينية من علاقة الهيمنة التي يسعى الاحتلال إلى تكريسها؛ علاقة تجعل الفلسطيني تابعاً لإرادة القوة. وهنا يمكن استحضار جدلية السيد والعبد عند هيغل بوصفها إطاراً تفسيرياً، حيث لا يتحقق وعي الذات إلا عندما ترفض الخضوع، وتطالب بالاعتراف بكرامتها الإنسانية ووجودها المستقل. وفي هذا السياق، تصبح معركة الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية جزءاً من معركة الاعتراف بالإنسان الفلسطيني نفسه.
ولا تقوم هذه الرؤية على منطق الانتقام، بل على إعادة تأسيس العلاقة السياسية على أساس القانون الدولي والشرعية الدولية، بحيث تنتقل القضية الفلسطينية من موقع القوة المجردة إلى فضاء الحقوق الإنسانية والسياسية.
إن فلسفة البقاء هنا ليست فلسفة استسلام، وإنما فلسفة صمود تاريخي. إنها تؤمن بأن الشعوب قد تتراجع سياسياً، لكنها لا تموت ما دامت قادرة على حماية ذاكرتها الجماعية، وصيانة هويتها الوطنية، والمحافظة على مشروعها السياسي.
لقد حاول الرئيس أبو مازن، وفق هذه القراءة، أن يمنع تفكك أركان المشروع الوطني الفلسطيني، وأن يحافظ على المؤسسات الوطنية باعتبارها وعاءً للهوية، وأن يبقي القدس حاضرة باعتبارها القلب الرمزي والروحي والسياسي للدولة الفلسطينية المنشودة.
وفي النهاية، فإن القيمة الفلسفية لهذه الرؤية تكمن في تحويل السياسة من إدارة للأزمات إلى دفاع مستمر عن الوجود الإنساني الفلسطيني. فحين يصبح البقاء ذاته إنجازاً تاريخياً في مواجهة مشاريع النفي والإلغاء، تتحول المحافظة على الهوية والوطن والدولة إلى فعل مقاومة حضارية، وإلى إعلان دائم بأن الشعب الفلسطيني ليس مجرد حدث عابر في التاريخ، بل هو ذات تاريخية قادرة على إنتاج مستقبلها مهما تعاظمت محاولات محوها.
وهكذا، فإن فلسفة أبو مازن، في أحد أوجه قراءتها الممكنة، تتمثل في الدفاع عن الديمومة الوطنية الفلسطينية، وصون الهوية، والتمييز بين الوطن بوصفه حقيقة تاريخية لا تزول، والدولة بوصفها تجسيداً قانونياً لهذه الحقيقة، ليبقى المشروع الوطني الفلسطيني حياً، متجدداً، وقادراً على مواجهة سياسات النفي والإلغاء عبر قوة الوجود والوعي والإرادة.

أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع المعاصر*