في اللحظة التاريخية الراهنة، لم يعد الحديث عن الضم مجرد إجراء قانوني أو خطوة إدارية، بل أصبح تعبيراً عن فلسفة وجودية تسعى إلى إعادة تعريف المكان والهوية والسيادة في الجغرافيا الفلسطينية. إن ما يطرحه اليمين الصهيوني المتطرف بزعامة Bezalel Smotrich وItamar Ben-Gvir لا يندرج في إطار التكتيك السياسي فحسب، بل في إطار رؤية ثيولوجية وأيديولوجية تعتبر الضفة الغربية – أو ما يسمونه “يهودا والسامرة” – جزءاً من وعد توراتي غير قابل للتنازل.
أولاً: البعد الثيولوجي للضم
يقوم التصور الديني القومي لدى هذا التيار على فكرة “أرض إسرائيل الكاملة”، حيث يتحول النص الديني إلى مرجعية سيادية فوق القانون الدولي. في هذا المنظور، لا يُنظر إلى الأرض باعتبارها مساحة جغرافية متنازعاً عليها، بل باعتبارها حقاً إلهياً مطلقاً. ومن هنا، يصبح الضم واجباً عقائدياً، لا خياراً سياسياً.
هذه الرؤية تُسقط مفهوم الشعب الفلسطيني كفاعل تاريخي، وتتعامل معه باعتباره وجوداً طارئاً أو عارضاً في معادلة المكان.
ثانياً: البعد الأيديولوجي والسياسي
الضم، في فلسفته المعاصرة، هو عملية تفكيك تدريجي للوجود السياسي الفلسطيني. إنه انتقال من إدارة الصراع إلى حسمه أحادياً. فبدلاً من التفاوض حول الحل النهائي، يجري فرض واقع جديد عبر:
توسيع الاستيطان.
تقليص صلاحيات السلطة الفلسطينية.
السيطرة على الموارد والمعابر.
تحويل الكيانية الفلسطينية إلى إدارة مدنية بلا سيادة.
بهذا المعنى، الضم ليس فقط ضم أرض، بل ضم معنى، وإلغاء هوية، وتفريغ مشروع وطني من مضمونه السيادي.
ثالثاً: خطورة الضم على الوجود الفلسطيني الحاضر
الوجود الفلسطيني اليوم يعيش حالة قلق وجودي مركب:
قلق جغرافي: بسبب تقطيع أوصال الضفة وتحويلها إلى كانتونات معزولة.
قلق سياسي: نتيجة استهداف مكانة السلطة الفلسطينية ومحاولة تجفيفها مالياً وإدارياً.
قلق أنطولوجي: لأن الضم يسعى إلى إعادة تعريف من يملك الحق في المكان، ومن يملك حق السردية.
إن إنهاء إمكانية إقامة دولة فلسطينية مستقلة يعني عملياً دفع الفلسطيني نحو أحد خيارين: إما القبول بواقع بلا سيادة، أو الانزلاق نحو صراع مفتوح طويل الأمد.
رابعاً: السلطة الفلسطينية بين القرار الدولي والقرار الإسرائيلي
نشأت السلطة الفلسطينية في سياق دولي نتج عن اتفاقيات مدريد وأوسلو، أي أنها لم تكن قراراً إسرائيلياً خالصاً، بل ثمرة توازنات دولية. لكن استمرارها على الأرض يرتبط عملياً بميزان القوة مع إسرائيل.
وهنا يبرز السؤال:
هل إنهاء السلطة قرار إسرائيلي أم قرار دولي؟
الواقع يشير إلى أن إسرائيل تملك أدوات الإضعاف، لكنها لا تملك وحدها شرعية الإلغاء. فالمجتمع الدولي ما زال يعترف بالسلطة ممثلاً شرعياً في إطار حل الدولتين.
خامساً: ماذا لو أُعلن سحب الاعتراف بإسرائيل؟
لو أقدم الرئيس محمود عباس (أبو مازن) على سحب الاعتراف بإسرائيل رداً على الضم، فإن ذلك سيشكل زلزالاً سياسياً وقانونياً، لأنه يعيد الصراع إلى مربعه الأول: صراع على الوجود، لا صراع على حدود. لكن مثل هذه الخطوة تحتاج إلى حسابات دقيقة، لأنها قد تفتح الباب أمام مواجهة مفتوحة دون غطاء دولي كافٍ.
خاتمة
فلسفة الضم ليست إجراءً حدودياً، بل مشروع إعادة تشكيل للوعي والمكان والهوية. إنها محاولة لحسم الصراع عبر تفريغه من أبعاده السياسية وتحويله إلى مسألة أمر واقع. غير أن التاريخ يعلّمنا أن الوجود الذي يمتلك ذاكرة وهوية لا يُمحى بقرار إداري، ولا يُلغى بضم جغرافي.
الرهان الفلسطيني اليوم يجب أن يكون على تثبيت الوجود في المكان، وتعزيز الشرعية الدولية، وتحصين الجبهة الداخلية، لأن أخطر ما في الضم ليس الأرض التي تُنتزع، بل المعنى الذي يُراد مصادرته.
ويبقى السؤال مفتوحاً:
هل سينجح مشروع الضم في إنهاء الفكرة الفلسطينية، أم أن الفكرة ستعيد إنتاج ذاتها في مواجهة الجغرافيا المؤلنة







