فلسفة الوجود الفلسطيني في جدلية الزمان والمكان: قراءة أكاديمية في تحولات النظام الدولي المعاصر

بقلم: د. صالح الشقباوي

– أستاذ الفلسفة والعلوم الاجتماعية

مقدمة: الوجود كإشكالية فلسفية سياسية

لم يعد الوجود الفلسطيني مجرد معطى جغرافي أو تاريخي، بل تحوّل إلى إشكالية فلسفية مركّبة تتقاطع فيها مفاهيم الكينونة، والزمان، والمكان، مع جدليات القوة والحق. وفي ظل التحولات الراهنة في النظام الدولي، تبرز الحاجة إلى إعادة قراءة هذا الوجود ضمن سياق كوني يتجاوز المحلي إلى العالمي.
إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط ليست حدثاً عابراً، بل لحظة انكشاف أنطولوجي، تعيد طرح سؤال الوجود الفلسطيني: هل هو وجود في المكان؟ أم وجود بالزمان؟ أم أنه وجود يتجاوز الاثنين ليؤسس لمعنى رمزي يتحدى الإلغاء؟

أولاً: الوجود الفلسطيني بين الكينونة والعدم

ينبغي فهم الوجود الفلسطيني بوصفه حالة صراع دائم بين الكينونة والعدم؛ بين محاولة التحقق في التاريخ، ومحاولات الإلغاء المستمرة.
فالوجود هنا ليس معطى ثابتاً، بل فعل مقاومة مستمر، يثبت ذاته عبر النفي. وهذا ما يجعل الوجود الفلسطيني أقرب إلى “وجود مقاوم”، لا يتحقق إلا في مواجهة نقيضه.
إنه وجود يتجاوز التعريفات الكلاسيكية للهوية، ليصبح فعلاً تاريخياً مستمراً، يتجدد عبر الصراع.

ثانياً: جدلية الزمان – من التهميش إلى العودة

الزمان في التجربة الفلسطينية ليس خطياً، بل هو زمان متشظٍ، يتأرجح بين الماضي (الذاكرة)، والحاضر (المعاناة)، والمستقبل (الأمل).
لقد حاول المشروع الصهيوني إخراج الفلسطيني من الزمن، عبر نفي تاريخه، وقطع استمراريته، وتحويله إلى كائن بلا ماضٍ ولا مستقبل.
لكن المقاومة الفلسطينية أعادت إدخال الذات إلى الزمن، ليس فقط عبر التذكّر، بل عبر الفعل، لتصبح الذاكرة أداة مقاومة، والمستقبل مشروع تحرر.

ثالثاً: المكان كحقيقة أنطولوجية

المكان في الفلسفة الفلسطينية ليس مجرد جغرافيا، بل هو كينونة قائمة بذاتها، تحمل معنى الوجود.
ففلسطين ليست أرضاً فقط، بل هي “مكان-هوية”، حيث يتماهى الإنسان مع الأرض، ليصبح الدفاع عن المكان دفاعاً عن الذات.
ومن هنا، فإن الصراع ليس على الأرض بوصفها مورداً، بل على المكان بوصفه معنى وجودياً.

رابعاً: الحرب وتحولات النظام الدولي – إعادة تشكيل الزمان والمكان

في ظل الحرب الراهنة، نشهد تحولات عميقة في بنية النظام الدولي، حيث يتراجع نموذج الهيمنة الأحادية، لصالح نظام متعدد الأقطاب.
هذا التحول لا يقتصر على السياسة، بل يمتد إلى إعادة تعريف الزمان والمكان في العلاقات الدولية.
فلم يعد المكان حكراً على قوة واحدة، ولم يعد الزمن مساراً تفرضه إرادة واحدة، بل أصبحا مجالين مفتوحين للتفاوض والصراع.
وهنا، يجد الوجود الفلسطيني فرصة لإعادة التموقع، ليس كضحية، بل كفاعل في التاريخ.

خامساً: من حق القوة إلى قوة الحق

إن التحول الأهم في هذه المرحلة هو الانتقال من منطق “حق القوة” إلى “قوة الحق”.
فالأنظمة التي اعتمدت على القوة العسكرية بدأت تفقد قدرتها على فرض الشرعية، بينما تبرز قوى جديدة تعتمد على الشرعية الأخلاقية والتاريخية.
وفي هذا السياق، يمكن فهم صمود فلسطين وغزة ليس فقط كفعل مقاومة، بل كتحول في طبيعة الصراع، حيث يصبح الحق ذاته قوة فاعلة.

سادساً: سقوط المركز وبروز الأطراف

إن ما نشهده اليوم هو بداية لانهيار المركز (الولايات المتحدة)، وبروز الأطراف (روسيا، الصين، وقوى إقليمية).
وهذا التحول يعيد توزيع السلطة في العالم، ويفتح المجال أمام قضايا كانت مهمشة، لتعود إلى مركز الاهتمام.
ومن هنا، فإن القضية الفلسطينية مرشحة لتكون إحدى أهم قضايا المرحلة القادمة، ليس فقط كصراع إقليمي، بل كرمز عالمي للعدالة.

سابعاً: نحو نظرية فلسفية في الوجود الفلسطيني

يمكن، في ضوء ما سبق، صياغة ملامح نظرية فلسفية في الوجود الفلسطيني تقوم على الأسس التالية:
الوجود كفعل مقاومة: لا يتحقق إلا عبر الصراع.
الزمان كذاكرة ومشروع: يجمع بين الماضي والمستقبل.
المكان كهوية: يتجاوز الجغرافيا إلى المعنى.
الحق كقوة: بديل عن القوة كحق.
الصراع كجدلية وجود: لا كحالة طارئة.

خاتمة: الوجود الفلسطيني كأفق إنساني

إن الوجود الفلسطيني، في جوهره، ليس مجرد قضية وطنية، بل هو سؤال إنساني كوني، يعيد طرح مفاهيم العدالة، والحرية، والحق.
وفي عالم يتجه نحو التعددية، قد يصبح هذا الوجود نموذجاً لفهم جديد للعلاقة بين الإنسان والمكان، وبين التاريخ والمعنى.
إنها ليست نهاية صراع، بل بداية وعي جديد، يُعاد فيه تعريف الوجود ذاته.