يا جماعة الخير…
خفّوا علينا شويتين! من شان الله
ما شاء الله، الله يبارك…
فمنذ أن دخلت السياسة بيوتنا، اكتشفنا أن الشعب الفلسطيني كله كان يخفي عباقرةً عظام عن العالم!
هذا خبير اقتصادي عالمي…
وهذا خبير استراتيجي من طراز نادر…
وهذا خبير قانون دستوري مقطوع وصفه…
وهذا مؤرخ لا يشق له غبار…
وهذا محلل سياسي لو أعطيته خمس دقائق، لحلّ القضية الفلسطينية وأنهى الانقسام وأعاد إعمار غزة وحرّر القدس… وربما أعاد لنا يافا قبل الغداء او الفطور مش عارف بالزبط!
والمشكلة او الكارثة….
أن كل واحد منهم متأكد أنه الوحيد الذي يفهم!
حتى ألبرت أينشتاين لم يكن بهذه الثقة.
الرجل الذي جلس أمام ورقة وقلم فقط، ولم يصل إلى مختبر في حياته صدقوني، كان يفكر في الضوء والزمان والمكان، ثم قدّم للبشرية نظرية النسبية وتفسير التأثير الكهروضوئي الذي نال عنه جائزة نوبل. وغيّر وجه الفيزياء وترك وراءه أسئلة وأفكارًا ما زالت البشرية تناقشها حتى اليوم.
ومع ذلك…
كان إنسانًا.
أخطأ وعاند واختلف وتعثر في بعض أفكاره، ولم تصب كل توقعاته.
بل إن بعض معاركه الفكرية الكبرى لم ينتصر فيها.
وكانت حياته الخاصة أيضًا، مليئة بالتعقيدات.
ومع ذلك…
لم يقل للعالم: أنا الحقيقة!
رغم انه كان عبقريًا
وكان يحمل في داخله إرثًا ثقافيًا ودينيًا لم يمنعه يومًا من أن يختلف ويسأل ويجادل ويعيد التفكير.
أما عندنا، فالمعجزة تبدأ مع أول منشور على فيسبوك.
يقرأ واحد من العباقرة مقالًا، فيصبح محللًا استراتيجيًا.
يشاهد مقابلة، فيصبح خبيرًا في الأمن القومي.
يسمع تسجيلًا من «مصدر موثوق»، فيصبح رئيس مركز أبحاث.
ويقرأ مادة قانونية مرة واحدة، فيبدأ بتوزيع الأحكام على الناس!
أما في السياسة…
فهنا دخلنا مرحلة العبقرية الوطنية الشاملة.
هذا يعرف ماذا تريد أميركا.
وهذا يعرف ماذا تريد إسرائيل.
وهذا يعرف ماذا ستفعل فتح.
وهذا يعرف ماذا ستفعل الفصائل.
وهذا يعرف ما الذي يفكر فيه الرئيس.
وهذا يعرف ماذا سيحدث بعد ستة أشهر.
ولو سألته:
كيف عرفت؟
يقول لك بكل ثقة:
«أنا متابع.»
يا أخي…
متابع ماذا؟ مسلسل تركي؟!
السياسة ليست منشورًا تكتبه وأنت تشرب قهوتك.
والقضية الفلسطينية ليست لعبة شطرنج على طاولة فيسبوك.
هناك احتلال، ومندوب سامي، وأرض، وشعب، وقدس، وغزة، ولاجئون، وشهداء، وأسرى، ومصالح دول، وموازين قوى، وعالم كامل يتدخل في تفاصيل قضيتنا.
ومع ذلك تجد من يتحدث عن كل ذلك وكأنه كان حاضرًا في كل اجتماع، وجالسًا على يمين كل قائد، ويحمل معه نسخة من محاضر الاجتماعات!
والأجمل…
أن بعض هؤلاء العباقرة لا يحتملون سؤالًا واحدًا.
ناقشه بالدليل، يغضب.
اطلب منه مصدرًا، يغضب.
قل له «ربما أنت مخطئ»، يعتبرها مؤامرة.
اختلف معه، فيبدأ فورًا بتوزيع شهادات الوطنية والجهل والعمالة.
هو وحده يملك الحقيقة، والباقي مجرد سكان في كوكب آخر.
يا سادة…
الاختلاف ليس خيانة.
والنقد ليس مؤامرة.
والاعتراف بعدم المعرفة ليس عيبًا.
بل إن أجمل ما يمكن أن يقوله الإنسان أحيانًا:
«لا أعرف.»
وأنا، حتى لا أجلس هنا وأمارس عليكم دور أينشتاين لا سمح الله:
أنا أيضًا لست أينشتاين.
أخطئ اكثر مما أصيب.
أعرف أشياء وأجهل أشياء اكثر بكثير.
وقد أغيّر رأيي إذا وجدت حجة أقوى، وهذا ما يحدث غالباً.
ولا أرى في ذلك عيبًا.
العيب أن يتحول الإنسان إلى حزب كامل، وحكومة كاملة، ومجلس ثوري كامل، ومركز أبحاث كامل… داخل رأسه!
يا جماعة الخير…
خفّوا علينا شويتين من شان الله.
مش كل من حمل هاتفًا صار خبيرًا.
ومش كل من حفظ اسمين سياسيين صار رجل دولة.
ومش كل من رفع صوته صار صاحب موقف.
ومش كل من كتب ثلاثة أسطر صار مفكرًا.
ومش كل من قال «أنا بفهم بالسياسة» صار كيسنجر!
حتى أينشتاين كان عنده أخطاء.
حتى أينشتاين كان عنده إخفاقات.
حتى أينشتاين لم يكن يعرف كل شيء.
فمن منكم أينشتاين يا غلابة؟
دعونا نكون أكثر تواضعًا:
إذا كنتَ لا تعرف… فتعلّم.
إذا كنتَ لا تملك الدليل… فاسأل.
وإذا كنتَ مخطئًا… اعترف.
وإذا اختلف معك أحد… لا تحرقه سياسيًا لمجرد أنه لم يصفق لك! وعلى فكرة مش رح يصفق لك لو بتموت انت وكل اهلك.
فربما مشكلتنا اليوم ليست أننا نفتقد العباقرة…
مشكلتنا أننا نملك عددًا هائلًا من العباقرة الذين لا يعرفون أنهم ليسوا أينشتاين.
وأنا؟
وأنا كذلك لست أينشتاين.
لكن عندي فضيلة صغيرة أحب أن أتمسك بها:
إذا لم أعرف…
أقول: لا أعرف.
وإذا أخطأت…
أقول: أخطأت.
وإذا اختلفت معك…
لا يعني ذلك أنك عدوي.
وبصراحة…
إذا استمرينا بهذا المعدل من العبقرية السياسية،
فأنا أقترح أن نوقف الانتخابات كلها.
ننتخب أينشتاين رئيسًا…
وباقي العباقرة يشكلون الحكومة!
والله يستر على فلسطين.
والله يعينك يا شعبي العظيم.