لم يعد الصراع الدولي محصورًا في ميادين الحرب التقليدية، بل بات يتمحور بصورة متزايدة حول أدوات السيطرة الاقتصادية والمالية، وفي مقدمتها هيمنة الدولار الأمريكي. فمنذ عام 1974، ومع التفاهم الأمريكي–السعودي الذي ربط تسعير النفط بالدولار مقابل الحماية الأمنية، تشكّل ما يُعرف بـ«نظام البترودولار»، الذي وفّر للولايات المتحدة طلبًا عالميًا دائمًا على عملتها، ورسّخ تفوقها المالي والسياسي لعقود.
غير أن هذا النظام، وإن بدا راسخًا، يواجه اليوم تحديات متراكمة. وفي هذا السياق، تبرز فنزويلا بوصفها حالة اختبار قانونية وسياسية، لا بسبب قوتها الاقتصادية الفعلية، بل بسبب محاولتها المعلنة منذ عام 2017 تقليص الاعتماد على الدولار في تجارة النفط، واللجوء إلى عملات بديلة، والسعي للانخراط في تكتلات مالية خارج الهيمنة الأمريكية.
من منظور القانون الدولي، فإن اختيار الدولة لعملة التبادل التجاري، أو لطبيعة شراكاتها الاقتصادية، يدخل في صميم مبدأ السيادة الدائمة على الموارد الطبيعية، وهو مبدأ راسخ في قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة، ولا سيما القرار رقم 1803 لعام 1962. كما يندرج ذلك ضمن مبدأ المساواة في السيادة بين الدول المنصوص عليه في المادة (2/1) من ميثاق الأمم المتحدة.
وعليه، فإن الضغوط السياسية والاقتصادية، وفرض العقوبات الأحادية، أو التهديد باستخدام القوة ردًا على خيارات اقتصادية سيادية، تمثل انتهاكًا مباشرًا للمادة (2/4) من الميثاق، التي تحظر التهديد أو استخدام القوة ضد سلامة أراضي الدول أو استقلالها السياسي. كما أن العقوبات الاقتصادية الشاملة المفروضة خارج إطار مجلس الأمن تندرج، وفق فقه قانوني متزايد، ضمن التدابير القسرية غير المشروعة، لما تسببه من أضرار جماعية تمس الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للشعوب.
التجارب السابقة في العراق وليبيا تؤكد خطورة هذا النهج. ففي العراق، لم تُثبت الذرائع القانونية التي استند إليها التدخل العسكري عام 2003، وعلى رأسها مزاعم امتلاك أسلحة دمار شامل. وفي ليبيا، تجاوز التدخل الدولي التفويض الممنوح بموجب قرار مجلس الأمن 1973، وانتهى إلى تقويض الدولة، في انتهاك واضح لمبدأ حماية المدنيين وعدم تغيير الأنظمة بالقوة.
اليوم، لا تمثل فنزويلا تهديدًا فعليًا للنظام المالي العالمي، في ظل تراجع إنتاجها النفطي وأزمتها الداخلية، لكنها تمثل سابقة سياسية وقانونية مقلقة: دولة نفطية تحاول ممارسة حقها السيادي في تنويع أدواتها النقدية. الخطورة لا تكمن في الفعل ذاته، بل في الرسالة الردعية المصاحبة له، ومفادها أن الخروج عن المنظومة المالية التي تقودها واشنطن قد يواجَه بإجراءات قسرية تتجاوز القانون الدولي.
في المقابل، يشهد النظام الدولي تحولات تدريجية، حيث تسعى دول عدة إلى تقليص اعتمادها على الدولار، ليس بدافع الصدام، بل حماية لسيادتها الاقتصادية من العقوبات ذات الطابع الأحادي. هذا المسار، وإن كان بطيئًا، يعكس أزمة أعمق في شرعية النظام النقدي القائم.
خلاصة القول، إن ما يجري مع فنزويلا لا يتعلق فقط بالنفط أو بالعملة، بل باحترام قواعد القانون الدولي ذاتها. فحين تُدار العلاقات الاقتصادية بمنطق الإكراه لا الشرعية، وحين تُستخدم العقوبات والتهديد بالقوة لحماية امتياز نقدي، فإن ذلك لا يعزز الاستقرار، بل يسرّع تقويض النظام الدولي القائم على المساواة والسيادة، ويفتح الباب أمام عالم أكثر اضطرابًا وأقل خضوعًا لمنطق الهيمنة.
د. عبدالرحيم جاموس










