كانت رام الله نائمةً إلّا من قلقها.
الريح تدور حول المقاطعة كأنها تبحث عن شيءٍ ضاع منذ زمن
والقدس هناك… بعيدة وقريبة في آنٍ واحد
تشبه أمًّا هرمت وهي تنتظر أبناءها على الباب.
وغزة…
كانت مستيقظة.
تعدُّ شهداءها بصمت
وتخبّئ وجعها تحت الركام كي لا يراه الأطفال
وتفتح بحرها كل ليلة كأنها تفتّش في الموج عن وطنٍ أقل تعبًا.
وفي تلك الليلة،،،
حين نام الحراس وتعبت الشوارع من الصمت
دخل ياسر عرفات من باب الذاكرة.
لم يدخل كغائبٍ عاد
بل دخل كالمؤسس الذي ما زالت خطواته عالقةً في جدران المكان
وكأنّ فتح نفسها جاءت تمشي معه.
كان يرتدي كوفيته القديمة
ويمشي ببطءٍ يشبه صلاةً طويلة
كمن يعرف أن الأوطان لا تُقاس بالسنوات
بل بما يتركه الرجال في قلوب الناس.
وعند نافذةٍ نصف مفتوحة
كان محمود عباس جالسًا وحده
كالحارس الأخير لفكرةٍ أتعبتها العواصف ولم تسقط.
أمامه أوراق كثيرة
وصور شهداء وأسماء الاسرى
وعيناه مرهقتان كأنهما لم تناما منذ أعوام.
رفع رأسه فجأة…
كأنّه شعر أن المكان استعاد روحه.
ابتسم المؤسس وقال للحارس:
“تعبتَ يا أبا مازن.”
أجابه الحارس بصوتٍ منخفض
“الوطن يا أبا عمار متعب…
وغزة متعبة
والقدس تنام كل ليلة على وجعها
وخليل الرحمن يفتح أبوابه للحزن والصلاة معًا
ونابلس تقاتل وجعها بابتسامةٍ لا تنكسر
وجنين ترفع صوتها فوق كل تعب
والحرم الإبراهيمي ما زال يقف كشيخٍ فلسطينيٍ عتيق يحرس الذاكرة
وأمهات الأسرى يشيخن وهنّ يعدن الأيام على أبواب السجون.”
اقترب المؤسس من النافذة
ونظر نحو السماء، ثم قال:
“أتسمعهم يا أبا مازن؟”
سأله الحارس الأمين
“من؟”
قال المؤسس
“الأسرى…
حين ينام العالم كله، يبقون وحدهم مع فلسطين.
الأسير لا يخاف القيد بقدر ما يخاف أن يتحول إلى خبرٍ قديم.
ولهذا كانت فتح دائمًا تعرف أن الوفاء لهم ليس موقفًا… بل هوية.”
ساد الصمت قليلًا
وكان يمكن سماع الريح وهي تمرّ فوق أبواب السجون البعيدة.
قال الحارس:
“لن نتركهم يا أبا عمار…
وسيأتي اليوم الذي نُبيّض فيه السجون
ويخرج الأسرى كما يخرج الفجر من قلب الليل.
سيرفعون علم فلسطين في قلب القدس وغزة والخليل ونابلس
وسيكونون أول من يكتب معنى العودة.”
ثم ارتفع صوته قليلًا
كأنّه يخاطب فلسطين كلها:
“وسيُرفع الأذان في جنين فرحًا بهم
وتقرع أجراس المهد لعظمة صبرهم
وسيعود الحرم الإبراهيمي في خليل الرحمن عامرًا بالنور
وتنهض نابلس من تحت التعب كمدينةٍ تعرف أن لا انكسار فيها
وسنعرف يومها أن الذين انتصروا على السجّان
كانوا أكبر من القيد… لأنهم حملوا فلسطين في قلوبهم.”
أغمض المؤسس عينيه لحظة
وكأنّه يرى المشهد بعينيه، ثم ابتسم وقال:
“هؤلاء هم كنز فلسطين الحقيقي يا أبا مازن…
الذين جعلوا الزنزانة أوسع من الخوف
وحوّلوا القيد إلى نشيد.”
ثم أضاف بصوتٍ يشبه وصايا الشهداء:
“إياكم أن تتركوا غزة وحدها.
غزة ليست مدينةً تتعب ثم تنام
غزة قلبٌ ينزف ويظل ينبض.
وحين تجوع غزة… يجوع شيء في روح فلسطين.”
أطرق الحارس طويلًا، ثم قال
“لهذا ما زلنا نؤمن أن السلام ليس ضعفًا يا أبا عمار
بل إيمانٌ بأن هذا الشعب يستحق الحياة.
نريد لأطفال غزة أن يروا البحر بلا دخان
ولأطفال القدس أن يكبروا بلا خوف
ولأطفال نابلس أن يعيشوا بلا حصارٍ في القلب
ولأمهات الأسرى أن يفتحن الأبواب لأبنائهن بدل انتظار الصور.”
اقترب المؤسس أكثر
ووضع يده على كتف الحارس وقال:
“السلام الحقيقي ليس ورقةً تُوقّع ثم تُنسى.
السلام أن يعود الأسير إلى أمّه
وأن تبقى القدس عربية الملامح كالصلاة
وأن تبقى نابلس مدينة الحياة رغم كل التعب
وأن يبقى الحرم الإبراهيمي شاهدًا على أن هذه الأرض لا تُنسى
وأن يشعر الفلسطيني أن له وطنًا يحمي كرامته.”
ابتسم الحارس ابتسامةً متعبة
لكنّها كانت مليئة بالإيمان.
وفي الخارج
كانت القدس تلمع تحت القمر
وغزة تغسل جراحها بالبحر
ونابلس تستند إلى جبالها كأنها تقول: أنا باقية
وخليل الرحمن يفتح نوافذه للفجر
وجنين تستعدُّ لرفع الأذان.
ثم نهض المؤسس ببطء
ومشى نحو الباب.
وقبل أن يختفي، التفت نحو الحارس وقال:
“إذا بقيت القدس في القلب
وغزة في الضمير
ونابلس في الصبر
وخليل الرحمن في الذاكرة
والأسرى في الدعاء…
فاعرف أن فلسطين لن تنكسر أبدًا.”
وغاب المؤسس.
لكن رائحة القهوة بقيت في المكان
وبقيت القدس معلّقة خلف النافذة كنجمةٍ بعيدة
وبقي الحارس جالسًا وحده…
ينظر إلى صورةٍ قديمة تجمعه بياسر عرفات
ويهمس بصوتٍ لا يسمعه أحد:
“سنحرس الحلم يا أبا عمار…
حتى يعود الأسرى
وتنهض فلسطين من قلب تعبها أقوى واقوى .”






