ليس الخطر، في صورته الأخطر، ذلك الذي يهجم دفعةً واحدة ويستفزّ غريزة المقاومة، بل ذاك الذي يتقدّم بخطى وادعة، متخفّيًا في هيئة الضرورة، أو متزيّنًا بلغة الواقعية والحكمة. فالكائن الحي، والإنسان على وجه الخصوص، لا يُهزم غالبًا بالصدمة، بل بالاعتياد؛ لا يُكسر بالقسوة الفجّة، بل بالتدرّج.
الخطر المفاجئ يُواجَه، لأنه يُرى بوصفه خطرًا. أمّا الخطر المتدرّج، فيُستقبل أولًا بشيء من التحفّظ، ثم يُبرَّر، ثم يُدمَج في نسيج الحياة اليومية، حتى يغدو جزءًا من “الطبيعي” الذي لا يُسأل عنه. وهنا يكمن مكمن الفاجعة: أن يتحوّل الاستثناء إلى قاعدة، والطارئ إلى قدر.
بهذا المنطق تُدار كثير من السياسات الحديثة، لا عبر الانقلاب، بل عبر التآكل البطيء؛ لا عبر القمع الصريح، بل عبر سلسلة تنازلات صغيرة، كل واحدة منها تُقدَّم بوصفها مؤقتة، أو اضطرارية، أو أقلّ الشرور. وما إن تُقبل الأولى، حتى تُمهّد الطريق للثانية، ثم الثالثة، حتى يغدو مجموع ما قُدِّم أكبر بكثير مما كان يُرفض لو طُرح دفعة واحدة.
إن الشعوب لا تُلقى عادةً في ماء يغلي، لأن الغريزة ستدفعها إلى القفز. لكنها تُوضَع في ماء فاتر، تُرفع حرارته ببطء، حتى يتكيّف الجسد مع الألم، ويخمد الإحساس بالخطر، ويستكين الوعي إلى وهم القدرة على الاحتمال. وحين يبلغ الغليان مداه، يكون الأوان قد فات، لا لأن الخطر كان خفيًّا، بل لأن التكيّف كان أسبق من المقاومة.
شعبنا اليوم لا يغلي في ماء واحد، بل في مياه ترتفع حرارتها يومًا بعد يوم:
تراجعٌ في الحقوق يُبرَّر بالظرف،
تآكلٌ في الثوابت يُسوَّق بوصفه مرونة،
اعتيادٌ على الأزمات يُسمّى صبرًا،
وتطبيعٌ مع القهر يُلبس ثوب الحكمة والواقعية.
المشكلة، في جوهرها، ليست في الجهل بالخطر، بل في القدرة العجيبة على التعايش معه. فحين يصبح غير الطبيعي طبيعيًا، والظلم مألوفًا، والانكسار أسلوب حياة، نكون قد انتقلنا من مرحلة الوعي إلى مرحلة الترويض، ومن موقع الضحية الواعية إلى موقع الشريك الصامت.
إن أخطر ما في هذا المسار أنه لا يدمّر الأجساد فحسب، بل يعيد تشكيل العقول: يعلّمها خفض سقف التوقّع، وتبرير التنازل، وتجميل الهزيمة. وحين يُعاد تعريف الكرامة على أنها عبء، والحقوق على أنها رفاهية، يصبح القهر نظامًا، لا حادثة.
من هنا، لا تكون المقاومة الحقيقية فعلًا صاخبًا دائمًا، بل استعادة الحساسية الأولى: القدرة على تسمية الأشياء بأسمائها، ورفض التكيّف مع ما يجب رفضه، وقطع السلسلة قبل أن تكتمل حلقاتها. فالشعوب لا تموت فجأة، بل تُدرَّب طويلًا على قبول ما لا يُقبل، حتى تنسى أنها كانت يومًا قادرة على القفز خارج الماء.







