السياسي – في الذكرى الخمسين ليوم الأرض الفلسطيني، يبدو السؤال موجعا بقدر ما هو دقيق: تُرى ماذا تبقّى من الأرض؟
الجواب على السؤال ليس المقصود به أن نقول إن الأرض “اختفت” أو أنها تبقّت، بل هو سؤال عن الواقع الذي آلت إليه القضية الفلسطينية التي تعتبر الأرض أحد أهم أركانها. وعليه، يجب أن نعترف أن لصراع على الأرض صار أشدّ تعقيدا، وأقسى كلفة، وأكثر انكشافا.
يوم الأرض نفسه في 30 آذار/مارس 1976 جاء احتجاجا على مصادرة الأراضي في الجليل، واستُشهد فيه ستة فلسطينيين؛ ومنذ ذلك الوقت صارت الأرض عنوانا أبرز للهوية والوجود؛ لا مجرد ملف تفاوضي.
بعد خمسين عاما، يمكن تلخيص واقع القضية الفلسطينية في مفارقة كبيرة: الحضور الفلسطيني لم ينكسر، لكن المشروع الوطني تآكلت أدواته، فالقضية اليوم أكثر حضورا أخلاقيا وقانونيا في العالم، لكنها في الميدان تواجه تفتيتا جغرافيا وسياسيا غير مسبوق.
محكمة العدل الدولية خلصت في رأيها الاستشاري في 19 تموز/يوليو 2024 إلى أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة غير قانوني، وأكدت أن الأرض الفلسطينية المحتلة وحدة إقليمية واحدة، وأن حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير غير مشروط. وفي المقابل، يواصل مجلس الأمن والأمم المتحدة التذكير بأن الاستيطان “ليس له شرعية قانونية” ويجب وقفه فورا، بينما في الواقع يستمر توسعه على الأرض.
ما تبقّى من الأرض جغرافيا هو أرضٌ موجودة، لكنّها مُجزّأة ومُنتهكة السيادة، فالضفة الغربية لم تعد فقط تحت الاحتلال بل تحت ضغط متزايد من الاستيطان والعنف والتهجير والإخلاءات. ووفق أحدث تقارير الأمم المتحدة، فخلال الأشهر الثلاثة الأولى من 2026 وحدها نزح 1,697 فلسطينيا في سياق عنف المستوطنين وقيود الوصول، وهو رقم تجاوز إجمالي النزوح المسجل طوال عام 2025، كما أُفرغ 38 تجمّعا فلسطينيا بالكامل منذ 2023. في هذا السياق وفي القدس الشرقية، تتواصل الإخلاءات القسرية لصالح جمعيات استيطانية، وهذا يعني أن سؤال الأرض اليوم لم يعد فقط: من يملكها قانونيا؟ بل: من يستطيع البقاء عليها فعليا؟
أما غزة فقد جعلت القضية تعود إلى أصلها الإنساني العاري، ففي آذار/مارس 2026 قدّرت الأمم المتحدة أن نحو 1.7 مليون شخص في غزة يقيمون في قرابة 1,600 موقع نزوح، في ظروف وصفتها بالتردي الشديد، مع شحّ الماء والمأوى، وارتفاع الأمراض الجلدية، وتقلبات حادة في أسعار الغذاء والغاز. كما تشير التقارير الأممية إلى استمرار القيود على دخول المساعدات وحركة الطواقم الطبية، وإلى أن أكثر من نصف الأطفال في سن الدراسة ما زالوا بلا وصول إلى مرافق تعليمية تديرها الجهات الإنسانية. معنى ذلك أن القضية الفلسطينية لم تعد فقط قضية احتلال وحدود، بل أيضا قضية بقاء يومي: ماء، وعلاج، ومأوى، وتعليم.
سياسيا، بقي اسم فلسطين، لكن تراجعت فاعلية النظام السياسي الفلسطيني. فأحد أخطر ما جرى خلال العقود الخمسة الماضية أن الفلسطينيين حافظوا على الرواية، لكنهم لم يحافظوا بالقدر نفسه على وحدة التمثيل السياسي، فصار هناك انقسام بين غزة والضفة، وبين سلطة محدودة السيادة وحركات مقاومة، وبين الداخل والشتات، لذلك تبدو القضية قوية في وجدان الشعب وضعيفة في مؤسسات التمثيل.
وهذا بالطبع ليس نهاية القضية، لكنه يعني أن المأزق الفلسطيني اليوم هو مأزق وحدة قيادة وغياب مرجعية سياسية بقدر ما هو مأزق احتلال. وهذا استنتاج يستند إلى التناقض بين التقدم القانوني والدبلوماسي من جهة، والتدهور الميداني والإنساني والتفكك الوطني الداخلي من جهة أخرى. فالقضية دبلوماسيا لم تمت بل استعادت شرعية واسعة، لكن من دون ترجمة حاسمة.
في 2024 دعمت الجمعية العامة بالأغلبية اعتبار فلسطين “مؤهلة بالكامل” لعضوية الأمم المتحدة، وحثّت مجلس الأمن على إعادة النظر إيجابيا في الطلب، لكن العضوية الكاملة بقيت معطلة بعد الفيتو الأمريكي في مجلس الأمن. وفي 2025 شهدت الأمم المتحدة موجة جديدة من الاعترافات بدولة فلسطين، ففي تموز/يوليو 2025 كان الأمين العام يشير إلى 149 دولة تعترف بفلسطين، ثم أعلنت عشر دول إضافية الاعتراف في أيلول/سبتمبر 2025، خلال المؤتمر رفيع المستوى حول التسوية “السلمية”. وهذا يعني أن فلسطين حققت اتساعا في الاعتراف، لا اكتمالا في السيادة.
أخلاقيا ورمزيا، فلسطين اليوم أقوى من كثير من مراحلها السابقة. وربما هذه من أهم نتائج الأعوام الخمسين الأخيرة: لم تعد فلسطين قضية نخبة سياسية أو عربية فقط، بل صارت قضية رأي عام عالمي، وجامعات، ونقابات، ومحاكم، ومنظمات حقوقية، وشبكات تضامن عابرة للقارات وحراكات طلابية، وهذا بالطبع لا يحرر أرضا وحده، لكنه يمنع طمس الحقيقة. وهنا تكمن المفارقة: بينما يتعمق الاختلال في ميزان القوة، يتسع الاعتراف العالمي بعدالة الرواية الفلسطينية. فالرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، والقرارات الأممية اللاحقة التي طالبت بتنفيذ مضامينه، أعطت القضية سندا قانونيا أوضح من السابق، حتى لو بقي التنفيذ معلقا على موازين القوة الدولية.
لذلك، لو أردنا جوابا مركزا على السؤال للمقال نقول: بعد خمسين عاما من يوم الأرض، تبقّى من فلسطين أربعة أشياء كبرى: الشعب، والذاكرة، والحق القانوني، والرواية. لكن ما تآكل هو: وحدة الجغرافيا، وفعالية السياسة، وقدرة النظام الدولي على إنصاف هذا الحق. فالأرض لم تختفِ، لكنها صارت مهددة بالاقتطاع والتفريغ والتهجير، والقضية لم تنتهِ، لكنها انتقلت من مرحلة “مشروع التحرر الواضح” إلى مرحلة “الصمود ضد التصفية التدريجية”.
وأظن أن الخلاصة الأصدق هي هذه: ما تبقّى من الأرض هو ما تبقّى من الفلسطيني عليها وفيها ومن أجلها. وطالما بقي الإنسان الفلسطيني متمسكا بأرضه وحقه وذاكرته، فالقضية لم تُهزم، لكن من الخطأ أيضا تجميل الواقع: القضية اليوم في واحدة من أصعب لحظاتها تاريخيا، لأن الخطر لم يعد فقط احتلال أرض، بل إعادة تشكيل فلسطين ديموغرافيا وجغرافيا وسياسيا، بحيث يصبح الحق موجودا في القانون وغائبا في الوقائع، وهذا هو التحدي الحقيقي في الذكرى الخمسين ليوم الأرض.
أخيرا، وفي ظل التصعيد الإقليمي المتسارع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تبدو القضية الفلسطينية وكأنها انتقلت من كونها “مركز الصراع” إلى أن تصبح “جزءا من صراع أوسع” تُعاد صياغة أولوياته على مستوى المنطقة. فبعد طوفان الأقصى، لم تعد فلسطين فقط ساحة مواجهة بين احتلال وشعب، بل تحوّلت إلى ورقة ضمن معادلة ردع إقليمية؛ تتداخل فيها الحسابات العسكرية والسياسية بين قوى كبرى وإقليمية، وهذا التحول يحمل انعكاسين متناقضين: فمن جهة، أعاد الزخم للقضية الفلسطينية بوصفها شرارة التوتر الأوسع وكشف حدود الاستقرار القائم على تجاهلها، ومن جهة أخرى، يهدد بتهميش البعد الوطني الفلسطيني لصالح صراعات النفوذ، بحيث تُختزل فلسطين في “ورقة ضغط” ضمن مواجهة أكبر. وإذا ما تطور هذا الصراع إلى مواجهة أوسع، فإن النتيجة المرجحة ستكون مزيدا من تقييد أي أفق سياسي لحل القضية، مقابل تعزيز منطق القوة والعسكرة، وهو ما قد يدفع بالقضية الفلسطينية إلى مرحلة جديدة عنوانها: إما إعادة تموضعها كقضية مركزية في الإقليم، أو ذوبانها داخل صراعات المحاور الكبرى.
-ماهر حسن شاويش









