في اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني:

بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.

في اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، لا يقف العالم أمام مجرد تاريخ عابر في رزنامة الأمم، بل أمام مرآة تعكس جوهر إنسانيته، وامتحانًا أخلاقيًّا يكشف معدن الشعوب وقدرتها على مواجهة الظلم حين يشتدُّ سواده. يأتي هذا اليوم هذا العام لا كتقليدٍ أمميٍّ باهت، بل كصرخة ضميرٍ تهزُّ الركود الكوني، وتستدعي في الإنسان أسمى ما ادّخره من قيم: العدالة، الكرامة، والحق في الحياة.
إنّ فلسطين، التي علّمت العالم معنى الثبات حين يتربّص الموتُ بكل نافذة، لا تطلب اليوم خطبًا معلّبة ولا بياناتٍ تُلقى على عتبات المراسم؛ بل تطلب اعترافًا صريحًا بأنّ الألم الذي يسكنها ليس “قضية إقليمية”، بل جرحٌ مشرع في جسد الإنسانية جمعاء. فما يحدث في أرض الزيتون ليس صراعًا على جغرافيا، بل صراعٌ على تعريف الإنسان نفسه: أهو كائن يستحق الحياة بالقدر ذاته في كل مكان؟ أم أنّ الدماء تُقاس بلغة المصالح وموازين القوى؟
والعالم، حين يقف مع فلسطين، لا يمارس ترفًا سياسيًا، بل يستعيد شيئًا من نقائه الأول: أن يقف قلبٌ إلى جوار قلب، وأن تُرفع راية على بساط الحقّ ولو كانت الرياح ضدّها. ولذلك، فإنّ التضامن ليس مجاملة، بل فعل مقاومة في وجه خطابٍ يجهد لطمس الحقيقة، ويُعيد تشكيل الوعي لتغدو الضحية هي الجاني، والجاني هو “الضرورة”.
إنّ الفلسطيني، الذي يمشي في الدروب المتعبة منذ أكثر من سبعة عقود، لم يطلب يومًا من العالم أكثر من أن ينظر في عينيه دون خوف، وأن يسمع صوته دون ضوضاء الروايات المفبركة. وحين يقول العالم: “فلسطين ليست وحيدة”، فإنّ هذه العبارة لا تُقال شفقة، بل اعترافًا بأنّ العدالة لا يمكن أن تُجزّأ، وأنّ الحرية حين تُنتهك في مكانٍ واحد، ترتجف أركانها في كل مكان.
ولأنّ فلسطين تحمل في حكايتها ذاكرة القهر وملحمة الصمود، فإنّ اليوم العالمي للتضامن معها يتحوّل إلى مساحة يتطهّر فيها الضمير الإنساني من غبار الصمت؛ فالصمتُ أمام الظلم خيانة، والخيانة صنوُ الموت. وما بين هذين الحدّين، تبرز فلسطين بوصفها ميزانًا يُقاس به صدق القيم التي يرفعها العالم في المنتديات والمحافل.
ليس التضامن إذن مجرد شعارات تُرفع في الساحات، ولا صورًا تتناقلها وسائل الإعلام ساعة غضب. التضامن موقف، والموقف شرف. وهو قدرة الفرد والجماعة على أن يقولوا: “كفى” حين تتكدّس الجنازات وتنوح الأرض بأطفالها، وحين يُراد للوجدان أن يتخشّب. وهو إعلانٌ صارم بأنّ الاحتلال لا يمكن أن يصبح طبيعيًا، مهما طال الزمن، وأنّ الحقّ لا يُهرم، وإن هرم العالم من حوله.
ولذلك كلّه، يأتي هذا اليوم ليذكّر العالم بأنّ فلسطين لن تكون وحيدة ما دامت هناك قلوبٌ تعرف معنى الإنسانية، وعقولٌ تؤمن بأنّ الحرية قدرُ الإنسان، لا منّةٌ يُمنحها الأقوياء للضعفاء. يأتي ليقول إنّ التضامن ليس موسمًا، بل التزامًا دائمًا يتجدّد كلما حاول الظلم أن يمدّ يده أكثر من اللازم.
وهكذا، يبقى اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني شهادةً على أنّ الإنسان، مهما تاه في خرائط السياسية والمصالح، لا يزال قادرًا على أن يعود إلى جوهره الأول: أن يقف في وجه الظلم، وأن ينحاز للحقّ، وأن يقول لفلسطين، من أقصى الأرض إلى أقصاها:
أنتِ لستِ وحدكِ… ولن تكوني.