في انتظار الخلاص المتوهَّم: حين يُستبدل العقل بالأسطورة، والدم بالوهم:

بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.

ليست الحياة ميدانًا للجنون ولا مسرحًا للدم، بل هي ـ في جوهرها العميق ـ فعلُ عقلٍ يتدبّر، ونبضُ دمٍ يهب المعنى لاستمرار الكائن. العقل هو البوصلة التي تمنح الوجود اتجاهه، والدم هو الذاكرة الفيزيائية التي تحفظ للإنسان حضوره في العالم. وحين يُلغى العقل، لا يبقى سوى التيه، وحين يُستباح الدم، لا يتبقى سوى الموت البارد. فكيف إذا اجتمع إلغاء العقل مع استسهال الدم في أرضٍ واحدة؟ تلك لحظة الانفجار الوجودي، حيث يتحول الإنسان من كائن تاريخيّ إلى شظية أسطورة.
من هذا الشرخ العميق يخرج المتعصبون، والفاشيون، والمتطرفون بمختلف ألوانهم وأديانهم وأقنعتهم. ليسوا أبناء الدين ولا حراس القيم، بل هم أبناء العجز عن فهم الحاضر، وصنائع خيالٍ زائف يستدعي نموذجًا تاريخيًا انقضى مع شروطه الموضوعية، لكنه يُبعث قسرًا في غير زمانه ومكانه. إنهم لا يعانون فائض يقين، بل فقر استبصار؛ لا يمتلكون رؤية، بل حنينًا مرضيًا إلى ماضٍ مُتخيَّل، يلوذون به كما يلوذ الطفل بحضن وهميّ حين يعجز عن مواجهة العالم.
وهنا لا يعود التطرف ظاهرة دينية محضة، بل بنية ذهنية عابرة للأديان والأيديولوجيات. له مولداته في اليهودية والمسيحية كما في الهندوسية والبوذية، وفي القومية والعرقية كما في الأيديولوجيات الحديثة. إنّه ردّة نفسية على عالمٍ معقّد، سريع التحول، يتطلّب عقلًا مرنًا وقدرة على المراجعة والتأويل، لا يقينًا صخريًا ولا نصوصًا متحجرة. وحين يعجز الإنسان عن مواكبة هذا العالم، يتحول العجز إلى اشمئزاز، والاشمئزاز إلى خوف، والخوف إلى عنفٍ مؤدلج يبحث عن خلاصٍ سهل وسريع.
ذلك “الخلاص” ليس إلا وهمًا مريحًا، يُعلّق عليه الإنسان فشله في الفعل التاريخي. انتظارٌ سلبيّ يشبه عزلة روحية، أو ارتدادًا إلى طفولية التفكير، حيث يُختزل العالم في ثنائية ساذجة: خير مطلق وشر مطلق، نحن وهم، طهارة ودنس. في هذا الانتظار، لا يُراد خلاص الحياة، بل الهروب منها؛ لا يُراد إنقاذ الإنسان، بل تخليص الواقع من تعقيده، والعقل من مسؤوليته، والدم من حرمته.
وإذا كان الفشل المزدوج للمشروعين الوطني والقومي في الجغرافيا العربية قد أفرز هذا القلق الوجودي، فإن التاريخ يعلّمنا أن المآسي الكبرى ليست نهاية المسار، بل مفترق طرق. أوروبا ما بعد الحرب العالمية الأولى غرقت في اليأس والخراب، فأنجبت ـ كما عبّر ت. س. إليوت ـ «الأرض اليباب» و«الرجال الجوف»، نصوصًا تُجسّد خواء الإنسان حين ينفصل عن المعنى. لكن أوروبا نفسها، بعد الحرب الثانية، حوّلت الكارثة إلى درس، والدمار إلى مشروع، فأنجبت السوق المشتركة ثم الاتحاد الأوروبي، بوصفهما عقلنةً للتاريخ لا انتقامًا منه.
الفرق الجوهري بين الحالتين لا يكمن في حجم المأساة، بل في كيفية التفكير فيها. فإمّا أن تتحول الكارثة إلى أسطورة خلاصٍ دموي، وإمّا أن تُعاد قراءتها بوصفها نداءً لإعادة بناء العقل، وترميم المعنى، وإحياء قيمة الإنسان. الخلاص الحقيقي لا يأتي من خارج التاريخ، ولا من اجترار أطلاله، بل من شجاعة العقل في مواجهة الواقع، ومن قدسية الدم حين يُفهم بوصفه حياةً لا قربانًا.
في انتظار الخلاص المتوهَّم، يضيع الزمن ويُستنزف الإنسان. أمّا الخلاص الممكن، فلا يُنتظر، بل يُصنع: فعلٌ نقديّ، وعيٌ تاريخيّ، وإرادة حياة تُعيد للعقل مكانته، وللدم حرمته، وللإنسان حقه في أن يكون كائنًا فاعلًا لا ضحية أسطورة.