هنا حطت بك الرحال المُرّة بعد نزوحٍ وفقدان،لا يسعك أحيانا الا ان تجلس على الشرفة الضيقة رغم برودة الأجواء لتحتسي فنجان القهوة على وقع إجترار الذكريات،تحدق في ظلمة الليِّل التي تتخللها أضواء البيوت والشوارع الخافتة المغطاة بصدى الاحزان….
يلفتك من بعيد أضواء ساطعة قوية قادمة من جهة حي المدارس شمال الحارة الشرقية في جنين… أضواء تعج بأصوات طفولة تمارس لعبة كرة القدم … إنه ملعب الشهيد ياسر عرفات…
يقفز إليك التساؤل : هل ما زال الملعب يحتفظ بإضاءته رغم التدمير والجرف الذي أصابه،جرفات الاحتلال دمرت السور الجنوبي للملعب تدميرا كاملا،وأجزاء من السور الشرقي،وبعض المرافق خلال الاجتياحات التي تعرضت لها المدينة والمخيّم…
لقد شدني الضوءُ الممزوج مع الصوت،حركت بداخلي احاسيس من الذكريات القديمة التي كانت ولا زالت معلقة في جدار الذاكرة… وبالرغم من الخمول والإحباط الذي يسكن فيَّ ومعي… تحركت بشغف الفضول،وقررت لان احث الخطى نحو الملعب لاستكشف الامر…
وصلت،فإكتشفت أن سطوع الأضواء يكاد يخطف البصر،عرفت من خلال ذلك كم تراجع نظري عما كان عليه سابقا،الملعب بسجادة الخضراء الصناعية مقسوم الى قسمين،هنا أكاديمة أشبال تمارس التدريب بإشراف مدرب،والقسم الاخر ناشئي واشبال نادٍ منهمكون في اللعب…وبين المجموعتين صور ومشاهد،هذا اللاعب يضع يديه على خصرية،وذاك يلاحق الكرة و قطرات العرق تتصبب من جبينه اللامع،وذاك يطارد الكرة نحو المرمى مزاحما خصمة بروح رياضية، توجيهات المدرب المتابع تخرج من فم مطوق بجمع اليدين حتى يصل الصوت حيث يريد… وعلى الرأس قبعة مقلوبة للخلف… بقيت ادقق حتى وصلت معقد البدلاء الذي نجا من اسنان جرافة الاحتلال…جلست وانا احس بالتعب،وتركت المجال لعينيّ تجوبان ارجاء الملعب بما حوى…
هنا قفزت امام ناظري الذكريات عندما كنت مرسلا رياضيا لعدة صحف ومواقع…واول القافزين صورة الشهداء الرياضيين البارزين بكرة القدم…خليل طالب..راني وليد …قسام أبو سرية … أحمد دراغمة…رأفت أبو عقل…عبد الله أبو الهيجاء… عز الدين صلاحات… ثائر مرعي (الساها)…عز الدين وليد.. وآخرون مضوا… لم يمنعهم شغفهم بالمستديرة وإزهاق قسم من زهرة شبابهم حولها من الدفاع عن مخيّمهم ومدينتهم ومحافظتهم…ولا زالت الأعشاب الصناعية ومن قبلها الطبيعية لهذا الملعب العتيق القادم من عقد الخمسينات تتحسس اثار اقدامهم التي كانت تنضح حيوية ومهارة،منذ طراوتها الى اشتداد عصبها…ولطالما كانوا يُحَضِّرُون انفسهم بدنيا في مثل هذه الأيام لخوض بطولة شهداء معركة مخيم جنين بتسلسلاتها الرقمية والتي اقتربت من الثامنة والتاسعة والعاشرة،والتي كانت تنطلق في بداية شهر نيسان تخليدا للشهداء الذين مضوا،فأصبحت هذه الثلة تحمل نفس اللقب،وتحمل نفس النيشان.
عدت ادراجي الى البيت بعد ان كادت العبرات تخنقني،وعينيَّ تحملان باقتين،الأولى هم الشهداء الرياضيون،وصورهم الناصعة والتي لا تفارق الوجدان، والثانية هم الأطفال الصاعدون،على آنية هذا المستطيل،وختمت رحلتي الى هذا المكان بسطر دوى في داخلي يقول :- ” لن تستطيع اسنان الجرافة العمياء،أن تسكت الصوت،أو تميت النبض،أو أن تمنع الارحام الحرة من أن تنجب الحياة،ما دام في فلسطين كوفية وجدائل وعيون تنضح بالامل والانتصار”








