في ذكرى النكبة

عصري فياض

في خضم النار والدخان اللذان يلفان الشرق الأوسط،يجب ان لا يغيب عن بالنا ان هذا الواقع أساسه وسببه الأصلي هو ما جرى لشعب فلسطين قبل 78 عاما،حتى لو غطت سُحب الدخان ولهيب النيران على مركز الحدث فلسطين وما يجري عليها لبعض الوقت،وان لا يغيب عن بالنا أيضا،أن القضية الفلسطينية التي نتجت عن نكبة الشعب مثلت وتمثل لغاية الان تشخيصا عمليا قويا وجليا،وشاهدا صارخا لحالة الانفصام والكيّل بمكيالين التي تعاني منها الهيئات والمؤسسات الأممية والدولية المتحكم بها من قبل قوا كبيرة،والتي تدعي انها وجدت من اجل إرساء السلام بين الدول والأمم والشعوب،وان هذه النكبة التي ما تزال اثارها الممتدة على مساحة فلسطين وما جاورها وما ابتعد عنها في العالم من فقدان للوطن وتشريد وغربة وقهر مستمرة بوتيرة عالية من ألم ٍ لايتوقف ولا يتراجع .
ومن الطبيعي أن تنتج عن هذه النكبة ثورة،بل ثورات،لان ردة الفعل الإنسانية الفطرية الطبيعية لاي شعب من الشعوب يتعرض لما تعرض له شعب فلسطين أو غير شعب فلسطين هو الرفض لذلك الظلم ونتائجه،وبالتالي مقاومته بكل الوسائل والسبل المتاحة والمكفولة في القوانين الوضعيّة،ومن قبلها نواميس ورسالات السماء على مرّ الوجود الإنساني على هذا الكوكب،ومن الطبيعي أن يكون هناك تضحيات جسام،لان سبيل الحرية والانعتاق شاقٌ ومكلف،بالمقابل سيكون هناك خسائر في الجانب الاخر تشعره بأن ظلمة وشهيته للتوسع والسيطرة والاقتلاع والتشريد والهدم والقتل ليست بدون ثمن،وبذلك لم ولن يحصل على استقرار وهدوء ما لم يحصل الشعب المُحْتَلْ على ادنى حقوقه التي يمكن ان يقبل بها مضطرا بناء على اختلال موازين القوة التي ما زالت تعمل لحساب المعتدي،وذلك لسببين
أولا:- من اجل وضع سد وحد لطموح التوسع الشره للمحتل.
والثاني :- البحث عن حالة الاستقرار من اجل لقط الانفاس املا في تحقيق تعديل في الموازين والقوة المادية او تتيح له التقدم على العدو، أو انفراط أسبابه قوة الاحتلال من حيث الدعم الخارجي مثلا،او إصابة جسم المحتل بالخلافات والتفسخ،مما يحقق ضعفه وتراجعه،وبالتالي نسف كلّ اتفاقيات اوالتفاهمات التي كانت مقبولة في حينها واصبحت مرفوضة في حينها الذي سيستجد،وبالتالي إعادة الحالة الطبيعية للمنطقة من استقرار وسلام وتعايش كان قد سلب منها عقودا طويله.
نعم النكبة كانت بداية،وحتما القضاء على المها وتداعياتها هو النهاية التي لا بديل عنها،ومهما حاول الأعداء ومن يساندهم ويدعمهم ويقف الى جانبهم البحث عن حلول تجميلية لوجهٍ بشع،لن يستطيعوا ذلك،لان فلسطين وبالرغم من العقود الثمانية لا زالت تعيش في وجدان وقلب شعبها المشرد والصامد عليها،ولا زال وجدان هذا الشعب متمسك ومتشبث بحقه الطبيعي في العودة اليها مهما طال الزمن، وهذا الشعور أيضا يسكن غالبية الشعوب العربية والإسلامية والحُرّة في العالم.
شعب فلسطين ليس هنودا حمرا حتى يذوبون في مجتمعات الغير لو استمر الاضطهاد قرونا طويلة،وشعب فلسطين لا يرى في الوطن البديل اوالتوطين اوالتعويض بدلا عن وطنه الاصلي،وشعب فلسطين لا يرى في تقاسم وطنه بينه وبين المعتدي إمكانية ممكن ان يقبل بها من صميم داخله،ذلك مرفوض حتى لو قبل بشكل مؤقت،وشعب فلسطين لن ينسلخ عن جسده العربي والإسلامي والعالمي الحُرّ،مهما بلغت محاولات سخله وهضمة وتهميشه،فما يربطه بمحيطة العربي والإسلامي وعالمه الحر اقوى بكثير من محاولة الأعداء المحكومة بالفشل،على العكس الأعداء يعلنون ليل نهار ان هدفهم الابعد هو ” إسرائيل الكبرى ” من النيل للفرات كوعد تروراتيّ مزعوم،وبهذا اشراك لستة شعوب عربية أخرى في الوقوع تحت هذه المطامع التوسعية وهي مصر والأردن وسوريا ولبنان والعراق والسعودية ،لتي يعلن العدو انه سيحصل على أجزاء واسعة من بعضها ويلتهم البعض الاخر كليا.
لذلك،ورغم مرور ثمانية وسبعين عاما على النكبة،لم تصدأ الذكرى لا من حيث المظهر ولا حتى من ناحية الجوهر،رغم ان الأجيال التي عايشت تلك الأيام تتناقص يوما بعد يوم بفعل تقدم الزمن ،إلى أن من جاء بعدهم حمل نفس الحلم ونفس الإصرار،وتشرب نفس الرفض للاحتلال ومشاريعة التوسعية،وتشبث ويتشبث بالثوابت الوطنية رغم جبال التضحيات والألم،بل بقيت الذكرى ناصعة حاضرة كالشمس في رابعة النهار،حتى أصبحت عقيدة تسكن الضلوع،يراها الفلسطيني ويراها معه العربيّ والمسلم والحُرِّ في العالم رأي العيّن،وأنها قادمة لا محالة مها وصلت عنجيهة المحتل،وعلت مراتب بطشه،وارتفعت ممارساته المجنونة التي تدل على مستوى خوفه من الاقتلاع والرحيل كونه كيان غريب دخيل.