في ذكرى انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة: حين قرّر شعبٌ أن يرفض الفناء ويصنع المعنى

بقلم : الإعلامي فراس الطيراوي/ شيكاغو.

في ذكرى انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة، لا نقف أمام محطةٍ تاريخية جامدة، ولا نُحيي مناسبةً عاطفية تُقال فيها الكلمات ثم تُطوى الصفحات، بل نواجه لحظة تأسيسية ما زالت مفتوحة على الحاضر والمستقبل. نقف إجلالًا لشرارةٍ لم تنطفئ، ولرايةٍ لم تُنكس، ولقَسَمٍ ما زال حيًّا في ضمير الشعب: أن فلسطين ليست ذكرى، بل وعدُ حريةٍ يتجدّد.

من فجر الرصاصة الأولى حتى اليوم، لم تكن الثورة الفلسطينية مجرّد فعل مقاومة، بل إعلان وجود في وجه مشروعٍ كاملٍ للإلغاء. كتبت اسمها بمداد الصبر والكرامة، وحملت القضية من خيام اللجوء إلى منابر العالم، ومن دموع الأمهات إلى جباه المقاومين، لتقول إن شعبًا يعرف طريقه لا يضلّ، وإن حقًّا بهذا الوضوح لا يُمحى ولا يُؤجَّل.

هذه الذكرى ليست احتفالًا بالماضي، بل استنهاضٌ للحاضر واستشرافٌ للمستقبل؛ نداءٌ إلى وحدة الصف وصلابة الموقف، إلى تحويل الألم طاقة، والحصار إرادة، والتضحيات مشروعَ تحرر. في زمن تتكاثر فيه المؤامرات وتتبدّل الأقنعة، تبقى الثورة والقدس بوصلتنا، وتبقى فلسطين قضيتنا المركزية، لا تُختزل ولا تُساوَم ولا تُؤجَّل.

 

الثورة: قرار الوجود في وجه الإلغاء

وُلدت الثورة الفلسطينية من رحم النفي، ومن خيام اللجوء، ومن وعيٍ جمعيّ أدرك أن اقتلاع الإنسان من أرضه لا يكتمل إلا حين يُقنعونه أن الأرض لم تكن له أصلًا. لذلك لم تكن الثورة ردّة فعل عابرة، بل تمرّدًا وجوديًا عميقًا على فكرة الشطب، ورفضًا جذريًا لتحويل الفلسطيني إلى كائنٍ مؤقت يعيش على هامش الجغرافيا والتاريخ.

لم تكن الثورة بحثًا عن بطولة، بل بحثًا عن معنى. ولم تكن الرصاصة الأولى مجرّد فعلٍ عسكري، بل انتقالًا واعيًا من موقع الضحية الصامتة إلى موقع الفاعل، من انتظار العدالة إلى صناعتها، ومن البكاء على الأطلال إلى إعادة بناء الذات الوطنية.

 

القيادة حين كانت مسؤولية أخلاقية

حين نستحضر الآباء المؤسسين للثورة الفلسطينية المعاصرة، لا نفعل ذلك بدافع التقديس، بل لاستعادة نماذج حملت الفكرة حين كانت مكلفة، ودافعت عن المعنى حين كان معزولًا.

كان ياسر عرفات تعبيرًا عن مرحلة فهمت أن فلسطين، إن لم تُفرض على العالم كقضية سياسية ووجودية، سيُترك العالم ليكتبها كما يشاء. وأدرك خليل الوزير (أبو جهاد) أن المقاومة ليست فعلًا موسميًا، بل اشتباكًا طويل النفس، وأن الاحتلال لا يُهزم بالعاطفة وحدها، بل بالتنظيم والعمل التراكمي وبناء القدرة على المبادرة.

أما صلاح خلف (أبو إياد)، فكان من أوائل من فهموا أن المعركة على الوعي أخطر من المعركة على الأرض، وأن اغتيال الرواية الفلسطينية أخطر من اغتيال الجسد الفلسطيني، لأن الهزيمة تبدأ حين يُهزم المعنى.

وفي المسار العسكري والفكري معًا، برز سعد صايل (أبو الوليد) بوصفه عقلًا استراتيجيًا أدرك أن المقاومة ليست فوضى سلاح، بل علم مواجهة، وأن الانضباط شرط بقاء لا ترفًا تنظيميًا. اغتياله كان استهدافًا لمحاولة بناء مقاومة واعية تعرف متى تقاتل ولماذا.

وفي السياق الفكري والسياسي الأوسع، مثّل الحكيم جورج حبش الضمير الثوري الذي رفض اختزال فلسطين في حلول جزئية، وأصرّ على ربط التحرير بالعدالة، والوطن بالكرامة، والنضال الفلسطيني بأبعاده الإنسانية والأممية. لم يكن خلافه مع غيره خلاف مواقع، بل خلاف بوصلة واتجاه.

وجاء نايف حواتمة ليؤكد أن الثورة ليست بندقية فقط، بل مشروع وعي اجتماعي وسياسي، وأن التحرر الوطني لا ينفصل عن العدالة الاجتماعية، ولا عن بناء إنسانٍ فلسطيني حرّ في فكره كما في أرضه. مارس النقد بوصفه فعل قوة، لا علامة ضعف.

وكان كمال عدوان وكمال ناصر وأبو يوسف النجار وماجد أبو شرار وغسان كنفاني وحنا مقبل وغيرهم أهدافًا مباشرة للاحتلال، لأنهم أدركوا أن الكلمة حين تكون صادقة تتحوّل إلى رصاصة مؤجّلة، وأن المعركة على الرواية لا تقلّ خطورة عن المعركة على الأرض.

هؤلاء لم يكونوا أنبياء، بل قادة حملوا الفكرة حين كانت مكلفة، وفهموا أن الثورة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون مشروع سلطة، وأن القيادة عبء ثقيل لا يحمله إلا من قبل بثمنه.

 

الدبلوماسية والعمل السياسي: معركة الزمن الطويل

إلى جانب أشكال النضال الأخرى، شكّل العمل السياسي والدبلوماسي الفلسطيني محاولة واعية لنقل معركة الوجود إلى ساحة القانون الدولي والشرعية العالمية. لم يكن هذا المسار استعراضًا سياسيًا ولا بديلًا عن التضحيات، بل رهانًا على الزمن الطويل، وعلى أن الحقوق التي تُثبَّت في سجلّ القانون لا تموت، حتى إن أُجِّلت.

قاد الأخ الرئيس أبو مازن هذا المسار انطلاقًا من كونه أحد المؤسسين الأوائل للثورة، ومن إيمانه بأن معركة الفلسطيني ليست فقط ضد الاحتلال، بل ضد محاولات نزع الشرعية عنه. قد لا نرى اليوم الأثر الكامل لهذا الجهد، في عالمٍ تحكمه موازين قوة مختلّة، لكن العمل السياسي التراكمي يصنع أثره حين تتبدّل اللحظة الدولية، وحين يُفتح الباب لمحاسبة الاحتلال لا لمكافأته.

إن تثبيت فلسطين كقضية قانونية وحقوقية، وكشعبٍ تحت الاحتلال لا كـ«نزاع»، هو استثمار في المستقبل، ورسالة واضحة بأن الفلسطيني لم يتخلَّ عن حقه، بل نقله إلى كل ساحة ممكنة.

 

مروان البرغوثي: الثورة التي لم تُعزل عن شعبها

في قلب المشهد الوطني، يقف مروان البرغوثي بوصفه أحد أكثر تعبيرات الثورة الفلسطينية المعاصرة اكتمالًا. ليس لأنه أسير فحسب، بل لأنه جسّد وحدة الفعل والموقف، والقدرة على الجمع بين المقاومة والعمل السياسي، وبين الانتماء التنظيمي والرؤية الوطنية الجامعة.

لم يخشَ الاحتلال مروان لأنه يحمل السلاح فقط، بل لأنه يحمل شرعية شعبية حيّة، ولأنه بقي قريبًا من الناس، معبّرًا عن تطلعاتهم، ورافضًا لتحويل النضال إلى إدارة أزمة. في سجنه، لم يتحوّل إلى رمز صامت، بل ظلّ حاضرًا في الوعي الجمعي، وفي النقاش الوطني، وفي السؤال الكبير عن وحدة الصف وتجديد المشروع الفلسطيني.

قضية مروان ليست قضية فرد، بل مرآة لجوهر الصراع: احتلال يسجن من يملك التأثير، وثورة تُنتج قادة حتى من خلف القضبان.

 

أحمد سعدات (أبو غسان): حين تصبح الزنزانة موقفًا سياسيًا

وإلى جانب مروان، يبرز أحمد سعدات (أبو غسان) بوصفه نموذجًا آخر متكاملًا للقيادة الأسيرة؛ قيادة لم تفصل يومًا بين الفكرة والثمن، ولا بين الموقف والالتزام. لم يدخل السجن بوصفه حالة عابرة، بل استكمل فيه ما بدأه خارجه: الدفاع عن حقّ الشعب الفلسطيني في المقاومة، ورفض تحويل السياسة إلى أداة تكيّف مع الاحتلال.

في زنزانته، لم يساوم أبو غسان على اللغة ولا على المعنى، ولم يقبل أن يكون الأسر مدخلًا لإعادة تعريف الحق الفلسطيني. ظلّ ثابتًا على قناعة أن التحرر لا يُدار كملف، ولا يُختزل في حلول جزئية، وأن الاحتلال، مهما طال الزمن، لا يمنح شرعية ولا يصنع سلامًا.

يمثّل أحمد سعدات انسجامًا نادرًا بين الفكر والموقف، ويذكّر بأن السجن، حين يُواجَه بوعي، يتحوّل من أداة قمع إلى مساحة مقاومة، ومن محاولة عزل إلى فعل حضور. قضيته ليست قضية تنظيم، بل قضية حرية، ومعنى، وحقّ لا يقبل المساومة.

 

الشهداء والأسرى: المعنى الذي لا يُهزم

ومن رحم هذه الفكرة، جاء الشهداء. لم يسألوا عن جدوى الدم، لأنهم أدركوا أن الاحتلال لا يُهزم بالحسابات الباردة وحدها. حوّلوا الجسد الفلسطيني إلى نصّ مقاوم، وإلى شهادة حيّة على أن الحرية لا تُكتب بالحبر فقط.

ثم الأسرى، الذين حوّلوا الزنازين إلى ساحات مواجهة صامتة، وإلى مختبرٍ للكرامة، وأثبتوا أن السجن لا يكسر من فهم أن الحرية موقف قبل أن تكون بابًا مفتوحًا.

 

غزة: الامتحان الأخلاقي للعالم

في غزة، خرج المكان من الجغرافيا ليصبح سؤالًا أخلاقيًا عالميًا. ما يجري ليس «صراعًا»، بل جريمة مكتملة الأركان: قصف، حصار، تجويع، وإبادة تُرتكب على مرأى العالم.

كشفت غزة زيف الخطاب الإنساني، وانتقائية العدالة، وسهولة تبرير دم الفلسطيني. ومع ذلك، لم تنكسر، لأن الانكسار الحقيقي يبدأ حين يُقنعونك أن وجودك فائض عن الحاجة.

 

ختاما؛

في ذكرى انطلاقة الثورة الفلسطينية، لا نرثي الماضي، بل نستدعي جوهره: الجرأة على الحلم في زمن الهزيمة، والقدرة على الوقوف حين يُراد لنا الركوع.

نكتب لأن الكتابة الصادقة فعل مقاومة، ونقاوم لأن الصمت في حضرة الظلم ليس حيادًا، بل مشاركة.

المجد للفكرة وللثورة،

الخلود للشهداء،

الحرية للأسرى،

وفلسطين ستبقى…

لأنها لم تطلب الإذن يومًا، بل قررت أن تكون.

*ناشط وكاتب عربي فلسطيني عضو الامانة العامة للشبكة العربية للثقافة والرأي والإعلام.