مع انقضاء الأسبوع الأول من شهر رمضان المبارك، لا تزال القدس ترتدي ثوبها المضيء، لكن نورها هذا العام يختلط بظلال المعاناة، تتدلى الفوانيس الملونة من شرفات البيوت العتيقة في البلدة القديمة، وتنساب الأضواء على حجارتها التي تحفظ حكايات القرون، فيما تعبق الأزقة برائحة الفلافل الساخنة، والكعك بالسمسم، وقطايف رمضان التي تُرص على الطاولات قبيل أذان المغرب بلحظات، هنا وبهذه الأجواء تستقبل القدس الشهر الكريم بروح مدينة كاملة تعرف معنى الصبر والرباط.
عدة أيام مضت، والقلوب ما زالت تتجه مع كل غروب نحو المسجد الأقصى، القبلة الأولى وثالث الحرمين الشريفين، يتقاطر المصلون من أحياء المدينة ومن مدن الضفة الغربية، يحملون سجاداتهم وأملهم الثقيل، يفرشون موائد الإفطار في الساحات، ويتقاسمون التمر والماء وأطباق الأرز والمقلوبة والمسخن، تحت أفق السماء الرمضاني، تتلألأ قبة الصخرة كجوهرة ذهبية، تعكس أضواء الفوانيس وتحتضن تكبيرات المغرب التي تملأ المكان رهبة وسكينة.
لكن الأسبوع الأول لم يمضِ بلا وجع، فمع كل يوم من أيام رمضان، تتصاعد القيود المفروضة على المدينة وسكانها، من حواجز وإجراءات تحدّ من وصول المصلين، إلى تفتيش دقيق على أبواب البلدة القديمة، وقيود على الأعمار والتصاريح، طريق الأقصى، الذي يفترض أن يكون درب عبادة وسلام، يتحول أحيانا إلى رحلة انتظار ومعاناة، تختبر صبر الصائمين قبل صبرهم على الجوع والعطش.
ليالي رمضان في الأقصى ما زالت عامرة بالتراويح، صفوف متراصة وأصوات الأئمة تتردد بين الأقواس والمآذن، أطفال يركضون ببراءة بين الفوانيس، ونساء يوزعن التمر والقهوة العربية، وشيوخ يستعيدون ذكريات مواسم رمضانية مضت كانت أكثر هدوءا وأقل تضييقا، غير أن الفارق هذا العام يبدو واضحا، فالحضور يُنتزع انتزاعا، والوصول إلى الساحات بات إنجازا يوميا.
ورغم كل ذلك، تثبت القدس في أسبوعها الأول من رمضان أنها أكبر من القيود، مدينة تعرف كيف تحول الألم إلى صلاة، والانتظار إلى أمل، والرباط إلى معنى يومي للحياة، في كل إفطار تحت قبة الصخرة، وفي كل ركعة تراويح، يجدد المقدسيون عهدهم مع المكان، ويؤكدون أن رمضان في القدس ليس مناسبة عابرة، بل قصة صمود متواصلة.
هكذا تمضي الأيام الأولى من شهر الرحمة في مدينة تتزين بالضوء رغم العتمة، وتتعطر بالطعام رغم الحصار، وتعلو فيها الدعوات من الأقصى المحاصر، أسبوع مضى، وما زالت القدس تنبض بالإيمان، تقاوم المعاناة بالثبات، وتكتب كل ليلة فصلا جديدا من حكاية الصبر التي لا تنتهي.








