في يوم الأسير الفلسطيني: انتظارٌ طويل… وإيمانٌ لا يذبل

بقلم: د. منى أبو حمدية

اكاديمية وباحثة
——————
في كل عام، ومع إشراقة السابع عشر من نيسان، يقف الضمير الإنساني أمام محطةٍ مؤثرة يحملها يوم الأسير الفلسطيني، حيث تتجدد الأسئلة حول معنى الحرية، وحدود الكرامة، وواجب العالم تجاه الإنسان حين يجد نفسه خلف القضبان.
هذا اليوم لا يُقرأ بلغة السياسة وحدها، بل بلغة البشر الذين يختبرون الانتظار، ويكتبون بالصبر فصولاً طويلة من الحياة المعلّقة.

تشير المعطيات المتداولة إلى وجود أكثر من 9600 أسير داخل السجون، بينهم 86 أسيرة، ونحو 350 طفلا، و3532 معتقلاً ادارياً، إضافة إلى 1251 معتقلاً مصنّفين بصفة “مقاتلين غير شرعيين”، فيما سُجّل 326 شهيداً من الأسرى.
هذه الأرقام، مهما بدت كبيرة أو صادمة، تظل في جوهرها قصصاً إنسانية متشابكة؛ عائلات تنتظر، وأمهات يخبئن الدموع خلف دعاء، وأطفالاً يتعلمون مبكراً معنى الغياب.

من منظور علمي، تؤكد دراسات علم النفس وعلم الاجتماع أن فترات الاحتجاز الطويلة، خصوصا في ظروف صعبة أو غير مستقرة، قد تؤثر في الصحة النفسية والجسدية للأفراد، وتترك آثاراً تمتد إلى أسرهم ومجتمعاتهم.
فالأطفال الذين يمرون بتجربة الاعتقال أو يعيشون غياب أحد الوالدين لفترات طويلة، قد يواجهون تحديات تعليمية وعاطفية تحتاج إلى دعم متخصص، بينما تتحمل الأسر أعباءً اقتصادية واجتماعية إضافية نتيجة فقدان المعيل أو استمرار القلق.

كما أن وجود أعداد كبيرة من المعتقلين الإداريين يخلق حالة دائمة من عدم اليقين، وهو عامل تشير الأبحاث إلى ارتباطه بارتفاع مستويات التوتر والضغط النفسي، الأمر الذي يجعل الرعاية الصحية والنفسية ضرورة إنسانية وليست رفاهية.

تؤكد مبادئ القانون الدولي الإنساني، كما وردت في اتفاقيات جنيف، على ضرورة ضمان المعاملة الإنسانية للمحتجزين، وتوفير الرعاية الصحية الكافية لهم، وصون حقوقهم الأساسية.
هذه المبادئ ليست شعارات نظرية، بل التزامات أخلاقية وقانونية تهدف إلى حماية الإنسان أينما كان، بغض النظر عن الظروف أو النزاعات.

في هذا اليوم، ومن منبر الكلمة المسؤولة، تتجه الأنظار إلى المؤسسات الدولية المعنية بحقوق الإنسان، وفي مقدمتها منظمة الأمم المتحدة، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، ومنظمة العفو الدولية، وهيومن رايتس ووتش، وكذلك منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو).

إننا نناشد هذه المؤسسات، وكل الضمائر الحية في العالم، العمل على:

* تعزيز الرقابة الإنسانية على أوضاع المحتجزين.
* ضمان توفير الرعاية الصحية والنفسية الكافية لهم.
* حماية حقوق الأطفال والنساء داخل أماكن الاحتجاز.
* دعم برامج إعادة التأهيل والتعليم للأسرى وأسرهم.

فالقضية في جوهرها ليست أرقاماً ولا تقارير، بل حياة بشرية تستحق العناية والإنصاف.

وفي الختام؛ يبقى يوم الأسير دعوة مفتوحة إلى الإنسانية قبل أي شيء آخر؛ دعوة لأن نرى الإنسان في الإنسان، وأن نحفظ كرامته حتى في أصعب الظروف.
فالعالم الذي يحمي أضعف أفراده هو العالم الأكثر قدرة على بناء سلامٍ حقيقي، حيث لا يُختزل الإنسان في رقم، ولا يُترك الأمل وحيدا خلف الجدران.