في يوم الطفل الفلسطيني: طفولةٌ تُستهدف… وإرادةٌ تُعيد كتابة الحياة:

بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.

في الخامس من نيسان، لا يأتي يوم الطفل الفلسطيني زينةً تقويميةً عابرة، ولا مناسبةً تُستعاد فيها براءة الطفولة في خطابٍ احتفاليّ أجوف، بل يحلّ هذا اليوم مثقلاً بذاكرةٍ دامية، حيث تُقاس الطفولة بمدى ما فقدت، لا بما امتلكت، وبعدد الشهداء لا بعدد الألعاب، وبقدرة الأطفال على النجاة من آلة الفناء لا بقدرتهم على الحلم.
هنا، في فلسطين، تُولد الطفولة في فضاءٍ مهدّد، وتكبر على إيقاع الخطر، وتتعلم — قبل الحروف — معنى الفقد، غير أنّها، تظلّ الأكثر تشبثاً بالحياة، والأشدّ إصراراً على أن يكون لها غد.
طفولةٌ تُمحى… حين تتحوّل الأرقام إلى مأساةٍ كونية
تفيد المعطيات الرسمية الفلسطينية أنّ حرب الإبادة المستمرة على غزة قد أودت بحياة أكثر من ٢١ ألف طفل، من بينهم نحو ١٩ ألفاً من طلبة المدارس، خلال عامين فقط. كما أُصيب أكثر من ٤٤ ألف طفل، فيما شُرّد مئات الآلاف، ليجدوا أنفسهم في مواجهة عالمٍ فقد أبسط شروط الأمان.
وإذا ما اتّسع النظر إلى المشهد الكلّي، فإنّ عدد الشهداء بلغ ٧٢ ألفاً و٢٨٩ شهيداً، يشكّل الأطفال منهم ما يقارب ٣٠%، في دلالةٍ صارخة على أنّ الاستهداف لم يكن عرضياً، بل موجّهاً نحو جوهر المستقبل ذاته.
إنّ الأرقام، على فداحتها، تظلّ عاجزةً عن احتواء المأساة:
فـ ٤٥٠ رضيعاً استُشهدوا قبل أن يتعلّموا النطق،
و١٠٢٩ طفلاً لم يتمّوا عامهم الأول،
و٥٠٣١ طفلاً دون سنّ الخامسة،
أي أنّ جيلاً كاملاً يُباد قبل أن يدخل التاريخ، وقبل أن يترك أثراً سوى وجعٍ لا يُحتمل.
هؤلاء ليسوا أرقاماً في سجلاتٍ باردة، بل هم إمكانات حياةٍ أُجهضت، وسيرٌ ذاتيةٌ لم تُكتب، وأحلامٌ قُطعت في مهدها.
التعليم بوصفه فعلاً وجودياً للمقاومة
في هذا السياق الكارثي، لا يعود التعليم مجرّد حقٍّ مدنيّ، بل يتحوّل إلى فعلٍ وجوديّ، وإعلانٍ يوميّ عن التمسّك بالحياة.
فالطفل الفلسطيني لا يحمل حقيبته إلى المدرسة فحسب، بل يحمل معها إرادة البقاء، ويكتب على دفاتره ما يشبه الوصية للغد:
أنّ المعرفة، حتى في ظلّ الركام، قادرةٌ على أن تكون شكلاً من أشكال الانتصار.
إنّ استهداف المدارس ليس تدميراً لبنيةٍ مادية فحسب، بل محاولة لاغتيال المعنى نفسه؛ معنى أن يكون للطفل مستقبل، وأن يكون للمعرفة دورٌ في صناعة هذا المستقبل.
الصمت الدولي: سقوط المعنى الأخلاقي
ليست المأساة في العنف وحده، بل في الصمت الذي يُحيط به، صمتٌ يكاد يُضفي على الجريمة شرعيةً ضمنية.
فالعالم الذي شيّد منظوماتٍ قانونيةً لحماية الإنسان، يقف اليوم عاجزاً — أو متواطئاً — أمام إبادة الطفولة، وكأنّ القيم الكبرى أصبحت شعاراتٍ قابلة للتعليق، لا مبادئ مُلزمة بالفعل.
كيف يمكن للإنسانية أن تحتفظ بمعناها، وهي تعجز عن حماية أطفالٍ لم يبلغوا عامهم الأول؟
وكيف يمكن للعدالة أن تبقى فكرةً معتبرة، إذا كانت لا تُطبّق حين تكون الحاجة إليها أشدّ؟
الطفل الفلسطيني: من الضحية إلى الشاهد
ورغم هذا الخراب الشامل، ينهض الطفل الفلسطيني من تحت الركام، لا بوصفه ضحيةً فحسب، بل شاهداً على قدرة الإنسان على تجاوز حدوده القصوى.
إنّه الطفل الذي يبحث عن كتابه بين الأنقاض،
ويحمل جرحه كما يحمل قلمه،
ويمضي، كأنّه يُعلن للعالم أنّ الإرادة يمكن أن تنبثق من قلب الفاجعة.
وهنا تتجلّى أعظم المفارقات:
أنّ من يُراد له أن يكون نهايةً، يصبح بدايةً جديدة لمعنى الإنسان.
نداءٌ إلى الضمير الإنساني
في يوم الطفل الفلسطيني، لا يكفي أن نُحصي الضحايا، ولا أن نُجيد الرثاء، بل ينبغي أن نُعيد مساءلة ضمائرنا:
أن يتحوّل التعاطف إلى التزام،
والإدانة إلى فعل،
والصمت إلى موقفٍ أخلاقيّ واضح.
إنّ حماية أطفال فلسطين ليست قضيةً سياسيةً فحسب، بل هي اختبارٌ حاسم لجوهر الإنسانية، ولمدى قدرتها على الدفاع عن نفسها في وجه الانهيار.
خاتمة: الطفولة التي تُعيد تعريف الحياة
سيبقى الطفل الفلسطيني — رغم كلّ شيء — عنوان الأمل، لا لأنّه نجا من المأساة، بل لأنّه رفض أن يُختزل فيها.
سيبقى شاهداً على أنّ الحياة، مهما أُثقلت بالجراح، قادرةٌ على أن تنهض من جديد.
وفي عالمٍ يتآكل فيه المعنى، يخرج هذا الطفل ليقول:
إنّ العدالة ليست خطاباً، بل مسؤولية؛
وإنّ الطفولة ليست مرحلةً عمرية، بل حقٌّ مطلق في الحياة.
ومن هنا، فإنّ إنقاذ ما تبقّى من أطفال غزة ليس مطلباً إنسانياً فحسب، بل هو — في جوهره — إنقاذٌ للإنسانية نفسها من السقوط.