قانون أملاك الغائبين: القنبلة الصامتة

بن معمر الحاج عيسى

في ظل التصعيد المتواصل في سياسات السيطرة على الأرض، يعود “قانون أملاك الغائبين” الإسرائيلي إلى الواجهة كأحد أخطر الأدوات القانونية التي تُستخدم لنزع الملكيات الفلسطينية بغطاء رسمي، وبأساليب ناعمة تبدو قانونية في ظاهرها لكنها تحمل في جوهرها مشروعًا ممنهجًا للمصادرة والتهجير والتغيير الديمغرافي. هذا القانون، الذي يُعاد تفعيله وتوسيع آليات تطبيقه عبر فتح السجلات ورفع السرية عن الملكيات القديمة، لا يستهدف فقط الأراضي غير المسجلة أو المهملة، بل يتسلل إلى قلب الملكيات العائلية المشتركة، مستغلًا وجود أي وريث يقيم خارج البلاد، ليحوّله من فرد غائب إلى “ثغرة قانونية” يمكن من خلالها الاستيلاء على حصص كاملة وإدخال جهات استيطانية كشركاء قسريين في نفس الملك. الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في نص القانون، بل في طريقة توظيفه، حيث تقوم السلطات بالبحث عن أي سهم أو حصة تعود لشخص يعيش خارج فلسطين، سواء في دولة تُصنَّف “عدوة” أو حتى في الأردن أو غزة أو أي دولة أخرى، لتفعيل مبدأ “الغائب” الذي يسمح بنقل ملكيته تلقائيًا إلى ما يُسمى “حارس أملاك الغائبين”. وبهذا الإجراء، تتحول الحكومة الإسرائيلية إلى شريك قانوني في أراضٍ يملكها عدة إخوة أو ورثة، لمجرد أن أحدهم يقيم في الخارج، ما يفتح الباب أمام تدخل مباشر في القرارات المتعلقة بالأرض، من بيع وتقسيم واستثمار، وصولًا إلى فرض الأمر الواقع بالقوة الناعمة. وتكمن الخطورة الأكبر في ما يُعرف باستراتيجية “الشريك المقتحم”، حيث تقوم الجمعيات الاستيطانية بشراء حصة “الغائب” من حارس أملاك الغائبين، أو عبر استخدام وكالات مزورة ووثائق مشبوهة، لتصبح فجأة طرفًا رسميًا في نفس الصك العقاري مع العائلة الفلسطينية. ومن هنا يبدأ مسلسل الضغط: مطالبات بالقسمة والتفريق، دعاوى قضائية لا تنتهي، مضايقات للسكان، تعطيل أعمال الترميم والبناء، وخلق بيئة طاردة تدفع العائلة في النهاية إلى الرحيل تحت ضغط نفسي وقانوني واقتصادي متراكم، فيما يُعرف بالتهجير الناعم الذي لا يحتاج إلى جرافات بقدر ما يحتاج إلى نصوص قانونية محكمة التنفيذ. ويزداد المشهد تعقيدًا عند محاولة الورثة المقيمين في الداخل تسجيل أراضيهم رسميًا أو تسوية أوضاعها في “الطابو”، حيث يشترط القانون توقيع جميع الورثة دون استثناء، وهو أمر شبه مستحيل عندما يكون أحدهم في الخارج أو يتعذر التواصل معه أو حضوره. هذا التعطيل المتعمد في إجراءات التسوية يُستغل لاحقًا لإبقاء الأرض في حالة قانونية رمادية، تُصنف خلالها على أنها غير مسجلة أو غير مثبتة الملكية بشكل كامل، ما يمنح السلطات ذريعة لإعلانها “أراضي دولة” أو منع البناء عليها أو تجميد أي تطوير فيها، لتصبح لاحقًا هدفًا سهلًا للمصادرة أو لإعادة التخطيط بما يخدم المشاريع الاستيطانية. ولا يقل خطر التزوير وسماسرة الأراضي عن خطر النص القانوني ذاته، إذ إن فتح السجلات وكشف أسماء الورثة الغائبين يسهّل على شبكات منظمة تزوير وكالات بيع خارجية بأسماء هؤلاء، وكأنهم باعوا حصصهم في أوروبا أو أمريكا، ليتم تقديم هذه الوثائق إلى الجهات الإسرائيلية التي غالبًا ما تُسارع في نقل الملكية دون تدقيق كافٍ، قبل أن يكتشف الورثة الحقيقيون الأمر بعد فوات الأوان. هذه المنظومة المتكاملة من القوانين، والثغرات، والتواطؤ الإداري، تُحوّل الغياب إلى جريمة قانونية، وتُعيد تعريف “المسافر” أو “المقيم في الخارج” على أنه خطر على ملكية عائلته بأكملها، ما يستدعي وعيًا جماعيًا واستجابة قانونية عاجلة. ومن هنا تبرز أهمية اتخاذ خطوات عملية للتحصين ضد هذا الخطر الداهم، تبدأ بإصدار حصر إرث شرعي وقانوني فوري يثبت نصيب كل فرد بشكل واضح ومفصل، ويمنع أي لبس في نسب الحصص أو استغلال الغموض القانوني. كما يصبح التواصل المستمر مع الورثة المقيمين في الخارج ضرورة قصوى، ليس فقط على المستوى العائلي، بل القانوني أيضًا، من خلال إصدار وكالات دورية خاصة ومحددة الصلاحيات لمحامين موثوقين أو أقارب موثوقين في الداخل، لإدارة الحصص ومتابعة أي تطورات قانونية تتعلق بها. وفي الوقت ذاته، ينبغي على المقيمين في الأرض توثيق وضع الإشغال الفعلي عبر الاحتفاظ بفواتير الكهرباء والمياه، والصور القديمة، وأي مستندات تثبت الاستخدام المستمر، لتكون خط دفاع أمام ادعاءات الغياب أو الإهمال. ولا يقل أهمية عن ذلك مراقبة إعلانات “تسوية الأراضي” في الصحف الرسمية والمواقع الحكومية الإسرائيلية، وتقديم اعتراضات فورية عند ظهور أي محاولة للتلاعب بحصة أحد الورثة أو إدخال طرف خارجي في الملك، لأن الصمت أو التأخير قد يُفسَّر قانونيًا على أنه موافقة ضمنية أو إهمال يبرر الإجراءات اللاحقة. إن المعركة اليوم لم تعد فقط على الأرض بمعناها الجغرافي، بل على الوثيقة، والتوقيع، والسجل، والختم، وهي معركة قانونية بامتياز تحتاج إلى وعي شعبي واسع، وتكاتف عائلي، ودعم قانوني متخصص، إضافة إلى نشر المعرفة بين الناس الذين قد يجهلون تفاصيل هذا القرار وتداعياته الخطيرة. فالقانون، حين يُستخدم كأداة استعمارية، يصبح أخطر من أي إجراء عسكري مباشر، لأنه يُضفي شرعية زائفة على السلب والمصادرة، ويحوّل الضحية إلى طرف متهم بالتقصير أو الغياب. والخلاصة التي يجب أن يدركها الجميع هي أن “الوريث الغائب” في نظر القانون الإسرائيلي ليس شخصًا بعيدًا مؤقتًا، بل مدخلًا استراتيجيًا لاختراق الملكية العائلية بأكملها، وتحويلها إلى ساحة نزاع قانوني قد ينتهي بخسارة الأرض بالكامل إذا لم يتم التعامل معه بوعي وسرعة وحزم. إن نشر هذه المعلومات، وتعميم الوعي بها، ومشاركة هذا الملف على أوسع نطاق، ليس مجرد فعل تضامني، بل خطوة ضرورية لحماية ما تبقى من الأرض والذاكرة والحق، في مواجهة منظومة قانونية تسعى لإعادة رسم الجغرافيا عبر النصوص بدل الجرافات، وبالقوانين بدل القوة، لكن بالنتيجة ذاتها: مصادرة الأرض وانتزاعها من أصحابها الشرعيين.