بقلم:د. عمر السلخي
ليس كل ما يشغل المؤسسة إنجازًا، وليس كل ما يملأ ساعات العمل قيمة مضافة. هذه الحقيقة تختصر جوهر ما يعرف في علم الإدارة بـ «قانون باركنسون»، الذي وضعه المفكر البريطاني سيريل نورثكوت باركنسون، ومفاده أن «العمل يتمدد بحيث يملأ الوقت المتاح لإنجازه».
ورغم أن القانون صيغ في سياق ساخر لانتقاد البيروقراطية، فإنه يقدم مدخلًا مهمًا لفهم بعض مظاهر الإدارة العامة الفلسطينية، ليس من باب اتهام الموظف أو التقليل من جهده، وإنما من زاوية أكثر عمقًا: هل صُممت مؤسساتنا وإجراءاتنا لخدمة المواطن، أم أصبحت بعض الإجراءات والهياكل غاية بحد ذاتها؟
المشكلة تبدأ عندما تصبح المعاملة البسيطة رحلة طويلة بين الأقسام والمديريات واللجان والتواقيع. فكل خطوة إضافية قد تكون مبررة منفردة، لكن تراكمها يحول الإجراء الإداري إلى عبء على المواطن والموظف معًا.
هنا يظهر السؤال الأهم: لماذا تحتاج معاملة يمكن إنجازها خلال دقائق إلى أيام أو أسابيع؟
الإجابة ليست دائمًا في ضعف أداء الموظف، بل في تصميم العملية الإدارية. فالموظف قد يكون ملتزمًا تمامًا بالتعليمات، لكنه يعمل داخل منظومة أنتجت عشرات الإجراءات والموافقات التي لم تعد جميعها ضرورية.
من تضخم الإجراءات إلى تضخم الهياكل
أحد أخطر تجليات قانون باركنسون هو أن الجهاز الإداري قد يبدأ بإنتاج أعمال جديدة لتبرير استمرار بعض الوحدات أو الوظائف.
قسم جديد لمعالجة مشكلة، ثم لجنة لمتابعة القسم، ثم تقارير دورية، ثم اجتماعات لمناقشة التقارير، ثم مخاطبات بين الجهات المختلفة.
وهكذا تتحول المؤسسة تدريجيًا من إنتاج الخدمة إلى إنتاج البيروقراطية.
ولا يعني ذلك أن كل إدارة أو لجنة أو موظف زائد عن الحاجة، وإنما يعني أن المؤسسات بحاجة إلى مراجعة دورية تسأل سؤالًا بسيطًا لكنه حاسم:
هل ما نفعله اليوم ما زال ضروريًا لتحقيق أهداف المؤسسة؟
إذا كانت الإجابة لا، فإن الاستمرار يصبح هدرًا للوقت والمال والموارد البشرية.
عندما يصبح النشاط بديلاً عن الإنجاز
من المشكلات التي تستحق التوقف عندها أن بعض المؤسسات قد تقيس نشاطها بعدد الاجتماعات والكتب والتقارير واللجان، بدلًا من قياس أثرها الحقيقي.
قد تعقد المؤسسة عشرات الاجتماعات، وتنتج مئات الكتب، وتنجز آلاف المعاملات الورقية، ومع ذلك لا يشعر المواطن بتحسن ملموس في الخدمة.
وهنا يجب الانتقال من مفهوم «ماذا فعلنا؟» إلى مفهوم «ماذا أنجزنا؟»
فالاجتماع ليس إنجازًا بحد ذاته، والتقرير ليس إنجازًا، والكتاب الرسمي ليس إنجازًا.
الإنجاز الحقيقي هو أن يحصل المواطن على الخدمة بجودة أعلى، ووقت أقصر، وتكلفة أقل، وإجراءات أكثر وضوحًا.
الموظف ليس المشكلة دائمًا
من السهل تحميل الموظف مسؤولية البطء الإداري، لكن الإصلاح الحقيقي يبدأ من النظام.
إذا كانت المعاملة تحتاج إلى خمس تواقيع، وعشر إحالات، وثلاث لجان، فإن مطالبة الموظف بأن يكون سريعًا لن تحل المشكلة.
المطلوب هو إعادة هندسة الإجراءات، وحذف الخطوات غير الضرورية، وتفويض الصلاحيات، وتحديد المسؤولية، والتحول من الإدارة الورقية إلى الإدارة الرقمية.
فالتحول الرقمي الحقيقي لا يعني تحويل المعاملة الورقية إلى ملف إلكتروني فقط، بل يعني إعادة تصميم المعاملة من الأساس.
إذا كانت المعاملة تحتاج إلى عشرة إجراءات ورقية، فإن رقمنتها لا تجعلها أكثر كفاءة؛ بل قد تنتج بيروقراطية رقمية بدلًا من بيروقراطية ورقية.
الإدارة العامة الفلسطينية أمام فرصة الإصلاح
في ظل التحديات المالية والاقتصادية والسياسية التي تواجه السلطة الوطنية الفلسطينية، لم يعد ممكنًا النظر إلى الإصلاح الإداري باعتباره مشروعًا ثانويًا.
كل إجراء زائد يعني وقتًا ضائعًا، وكل وظيفة غير مرتبطة بحاجة حقيقية تعني تكلفة إضافية، وكل تأخير في تقديم الخدمة يعني تكلفة يتحملها المواطن.
لذلك فإن الإصلاح يجب أن يقوم على قاعدة واضحة:
نحتاج إلى إدارة أقل بيروقراطية وأكثر إنتاجية، وليس بالضرورة إدارة أقل عددًا من الموظفين.
المطلوب هو إعادة توزيع الموارد البشرية وفق الاحتياجات الفعلية، وتطوير مهارات الموظفين، وربط المسؤولية بالصلاحية، وربط التقييم بالنتائج.
من إدارة الوقت إلى إدارة النتائج
مواجهة قانون باركنسون في الإدارة الفلسطينية تتطلب تغييرًا في فلسفة الإدارة نفسها.
بدل أن نسأل الموظف: كم ساعة عملت؟
نسأل: ماذا أنجزت؟
وبدل أن نسأل المؤسسة: كم معاملة عالجت؟
نسأل: كم استغرق إنجاز المعاملة؟ وما مستوى رضا المواطن عنها؟
وبدل أن نقيس المدير بعدد الكتب التي يوقعها، نقيسه بقدرته على حل المشكلات وتبسيط الإجراءات وتحسين الأداء.
وهنا يأتي دور مؤشرات الأداء، والتحول الرقمي، وإعادة هندسة العمليات، والمساءلة، والشفافية.
المواطن هو نقطة البداية والنهاية
الإدارة العامة ليست موجودة لخدمة نفسها، بل لخدمة المواطن.
وعندما تصبح المؤسسة أكثر اهتمامًا بالإجراءات من النتائج، أو بالهيكل من الوظيفة، أو بالاجتماعات من القرارات، فإنها تبتعد تدريجيًا عن الهدف الذي أنشئت من أجله.
لذلك فإن قانون باركنسون يجب ألا يُقرأ باعتباره انتقادًا للموظف الفلسطيني، بل باعتباره جرس إنذار أمام صانع القرار الإداري.
فالمطلوب ليس أن نعمل أكثر، وإنما أن نعمل بذكاء أكبر.
وليس المطلوب أن نضيف إجراءات جديدة لمراقبة الإجراءات القديمة، بل أن نمتلك الشجاعة لإلغاء ما لم يعد ضروريًا.
وليس المطلوب أن تكون مؤسساتنا مشغولة طوال الوقت، بل أن تكون منتجة طوال الوقت.
إن الإصلاح الإداري الفلسطيني الحقيقي يبدأ عندما ننتقل من ثقافة «إنجاز المعاملة» إلى ثقافة «إنجاز النتيجة»، ومن إدارة الوقت إلى إدارة الأداء، ومن تضخم الإجراءات إلى تبسيطها، ومن البيروقراطية إلى الإدارة الرشيقة.
ففي النهاية، المواطن لا يهمه كم لجنة ناقشت معاملته، ولا كم كتابًا صدر بشأنها، ولا كم توقيعًا حملته.
ما يهمه سؤال واحد فقط: متى ستُنجز معاملتي؟
وهنا تحديدًا يبدأ الاختبار الحقيقي للإدارة العامة.