يتجلّى المفهومُ المركزيّ للحرية في إطارِه الفكري، وفي مسارِ تفرّعه إلى مرجعيته الأساسية، أي الفكر الفلسفي الليبرالي، حيث يكتسب معانيه وصيغه ودلالاته من جوهره. أمّا التحرر، فهو مفهوم نشأ وتكوَّن داخل مرجعية فكرية أخرى غير مرجعية الحرية، إذ اتّجه نحو مرجعيات وطنية واجتماعية واشتراكية. وعليه، لا يمكن البحث عن جذور وأصول أحد المفهومين في الآخر، لاختلاف المنابت والسياقات، ولأنّ كلاً منهما يقترن بإشكالية خاصة به، متمايزة في الحقلين السياسي والاجتماعي على وجه التحديد.
وعلى الرغم من التقارب الاصطلاحي الكبير بين اللفظين، الذي قد يوحي بالتطابق أو الانسجام أو حتى بالمشابهة والمقاربة، فإنّ ذلك لا يُعدّ قرينة على قرابة دلالية واضحة بين مفهومين يسيران في طريقين مختلفين.
من هنا، يمكن التمييز بين الحرية والتحرر ابتداءً من التحديد العام الذي ينصرف إلى بيان وضع كلٍّ منهما. فالحرية، وفق هذا التحديد، حالةٌ موضوعية عقلانية تنبثق عنها حالة من الاستقلال الذاتي الكامل والشامل لدى من يبلغها، قبل أن تتحوّل لاحقًا إلى تجربة ذاتية يعيشها الفرد.
أمّا التحرر، بوصفه مصطلحًا، فيُستخدم لوصف مختلف الجهود الرامية إلى نيل الحقوق السياسية أو الاجتماعية أو تحقيق المساواة، وغالبًا ما تكون هذه الجهود لصالح فئات محرومة أو مهمَّشة من المواطنين، أو تتعلّق بقضايا جماعية تمسّ حياة الناس ومعيشتهم.
ويمتلك مفهوم التحرر فاعلية واعية وعقلانية، تتّجه نحو تحقيق تلك الحالة التي سمّاها الفلاسفة «الحرية»، غير أنّها ليست فاعلية فردية، بل فاعلية جماعية تقوم بها جماعات اجتماعية لا أفراد، ولا تكون حرية الفرد هدفًا مباشرًا لها إلا بقدر ما تشكّل جزءًا من حرية المجموع. فالحرية، في هذا السياق، ليست انفلاتًا من القيود، بل التزامٌ واعٍ بالضوابط التي تفرضها الحضارة الإنسانية والمجتمعات، بما يسمح بإنجاز المشروع الإنساني الذي لا يتحقّق إلا في إطارها.
وبهذا المعنى، تُعرَّف الحرية على أنّها قدرة الإنسان على تحقيق مشروعه وغايته وتجسيد برنامجه الحياتي، لا بالالتفاف على القوانين والتشريعات والأعراف أو التحايل عليها، بل باحترامها وتقديرها والوعي بوظائفها وأدوارها.
ومن أجل تحقيق الحقوق السياسية داخل الدولة، لا بدّ من توفّر مجال الحرية، إذ تتجسّد هذه الحالة في أفراد مجتمعٍ يناضلون من أجل التحرر، حتى تتحقّق علاقة سياسية كاملة أو شبه كاملة. ولسنا هنا بصدد المعنى الميتافيزيقي للحرية بوصفها شعورًا داخليًا بالاكتفاء الذاتي والانفصال عن المحيط، لأنّ هذا الإحساس، حين يُسقط على الواقع السياسي والاجتماعي، يغدو وهمًا. ما يعنينا هو المعنى السياسي للحرية، بوصفها علاقة بين الفرد والدولة، علاقة حقوق وواجبات، علاقة ضرورة متبادلة.
الحرية، بهذا المعنى الدقيق، حقٌّ من حقوق المواطنة، تكفله الدولة وقوانينها، وهي أن يمارس الإنسان ما يشاء دون تدخل قسري من الآخرين. أمّا التحرر، فيعني كسر القيود والحواجز التي تمنع الإنسان من ممارسة حياته بصورة طبيعية، دون الخضوع لقوانين أو أنماط قمعية أو سلطات ظالمة.
غير أنّ التحرر قد يُستدرج أحيانًا تحت شعارات قادمة من الخارج، تحمل أهدافًا خفية تسعى إلى زعزعة استقرار الدولة والمجتمع، فتتحوّل من مشروع تحرري إلى أداة تخريب. كما يشيع، لا سيما لدى بعض المراهقين، فهمٌ سطحيٌّ للتحرر بوصفه تغييرًا شكليًا في أنماط العيش واللباس والسلوك، أو قطيعةً مع الموروث الديني والتاريخي، في حين أنّ التحرر الحقيقي هو التحرر من القوانين القمعية وسلطة الطغيان، ومن كل ما يمنع الإنسان من عيش إنسانيته بكرامة.
والجدير بالذكر أنّ قوانين الدولة لا تكفل «التحرر» بقدر ما تكفل «الحرية»، لأنّ التحرر فعلٌ اجتماعي جماعي، ينشأ من الوعي بالحاجة إلى الحرية. وغالبًا ما تنبثق حركات التحرر من المجتمع ذاته، وتحملها جماعات كالشعوب أو الطبقات أو الأمم، لا الأفراد، ولذلك لا يحتل مفهوم التحرر موقعًا مركزيًا في الفكر السياسي الليبرالي.
فالنظرية الليبرالية السياسية، بوصفها أحد مرتكزات الفكر السياسي الغربي، قامت على مركزية الفرد، واعتبار الدولة أداة لحماية حقوقه. وقد شكّلت هذه النظرية نموذجًا في إدارة الدولة، وأصبحت رمزًا للدول المتقدّمة، ومثالًا يُحتذى به لدى الدول النامية، من خلال إسهامات فلاسفتها ومفكريها.
غير أنّ التحرر، في جوهره، لا يشير إلى علاقة سياسية داخل الدولة الوطنية، بل يشكّل المفهوم المركزي في خطاب الحركات الوطنية والثورية، بوصفه فعلًا سياسيًا جماعيًا يهدف إلى تحقيق الاستقلال الذاتي لجماعة مقهورة، واقعة تحت هيمنة قوة أجنبية.
ومن هنا، تبرز ضرورة التمييز الدقيق بين التحرر والتحرير. فالتحرير يطال موضوعًا محددًا: وطنًا، أرضًا، سيادةً، أو قرارًا سياسيًا. أمّا التحرر، فهو الفعل الإرادي الذي يمهّد للتحرير، وقد يتحقّق حتى قبل اكتمال الاستقلال الفعلي، حين تبلغ الجماعة لحظة تحرر الإرادة.
ولا يمكن لما يُسمّى بحضارة الحرية في الغرب أن تدّعي الشمولية، ما دامت تتجاهل وجود أشكال متجددة من الهيمنة والاستعباد، تحرم شعوبًا بأكملها من حقها في الحرية. فالحرية، من دون تحرر، تظل منقوصة، ومشروعًا غير مكتمل.
إنّ ما تشهده دول نامية كثيرة، ولا سيما في وطننا العربي، من تدخلات مباشرة وغير مباشرة، واحتلال واستيطان ونهب للموارد، وقمع للحركات الوطنية، ووصم للمقاومة بالإرهاب، يكشف زيف الخطاب الذي يروّج لما يُسمّى «العالم الحر»، ويطرح أسئلة جوهرية حول ثقافة تمييزية تُقسّم الإنسانية بين من يستحقون الحرية، ومن يُراد لهم الخضوع والاستعباد.






