تحت ظل الخيمة، رواية سيرية من منشورات الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين ، رام الله ـ فلسطين ، والرواية من تأليف الكاتب مهند طلال الأخرس ، عدد صفحات الكتاب 314 صفحة من القطع المتوسط ، والرواية مصنفة من النوع الأدبي ذات اللون التاريخي من السير .
والحقيقة أن مؤلف الرواية لم يتحدث عن رجل عظيم أو شخصية تاريخية مهمة في المجتمع ، ولكنه اختار أن يتحدث عن فترة تاريخية مهمة من حياة الشعب الفلسطيني والمأساة التي ألمت به ما بعد هزيمة عام 1967. ولعل تطورات هذه القضية التي مرت بمراحل مختلفة هي التي دفعت بالكاتب بأن يبحث عن العديد من الشخصيات الحقيقية والمواقف والأحداث المتصلة بسيرة اللجوء ، وعمد الكاتب على نقل صورة حية عن حالة اللاجئين الفلسطينيين وتشردهم وضياعهم داخل المخيمات ، وتمثل ذلك في ثورة الكاتب على نفسه من خلال ارتباطه بواقع تجربته ومعرفته لجوانب كثيرة من الحياة الاجتماعية والسياسية داخل المخيم الذي عاش وتربى فيه .
وحينما قرأت الرواية وجدت أن كتابة السيرة لحالة مثل حالة المخيم لا تنحصر في أمور شكلية وبسيطة أو تنحصر في موضوع واحد . بل هي دائماً تخضع بالدرجة الأولى إلى إحساس الكاتب بالتاريخ نفسه وبالأحداث التي تصور الحياة الاجتماعية والسياسية والنضالية في داخل المخيم ، وهذا ما فعله الكاتب ، حيث أنه حدد في روايته مجموعة من الموضوعات تجاوزت الثلاثين موضوع ، تخلل كل موضوع قصة من واقع المخيم ، وكانت جميعها تدور حول أحداث وقعت فعلا ، وكلها كانت ملتصقة بذاكرة شعبنا ، وقريبة من هموم ومعاناة كل من عاش تجربة المخيمات .
بدأ الكاتب في التمهيد للفكرة باختيار عنوان للرواية وهو ( تحت ظل الخيمة ) . وقد نجح في اختيار هذا العنوان ، فالخيمة عند الفلسطيني … هي الهوية الجديدة لكل من تغرب عن أرضه قسراً … هي الترحال والحنين للماضي … هي عنوان اللجوء والنزوح والتهجير والتشرد والنفي عن الوطن … هي عنواناً للجرح الذي أحدثته النكبة … والخيمة عند الفلسطيني هي صورة مشوهة لحياة ليس له يد فيها ، انه الإنكسار والخضوع والعذاب والألم والجوع والبؤس والفقر الذي يعيشه أبناء المخيم ( تحت ظل الخيمة ) . والذي أفقدهم كرامتهم وحتى إنسانيتهم .
وما بين المكان والزمان مسافة مجهولة ، لا يعرف الشعب الفلسطيني متى تنتهي ، ولكن عندما تمر بتجربة إنسانية مؤلمة ويمضي عليها الزمن ، من المؤكد بأنك سوف تتذكرها في يوم من الأيام ، ولا بد أن تحدد مكانها وتاريخها وتعود إليها حتى لو طال الزمن . هكذا فعل الكاتب حيث أنه نجح في توثيق الفترة الزمنية الواقعة ما بعد نكسة عام 1967، ويربطها مع المكان الذي اختاره ليقوم بنسج خيوط روايته ، والهدف من ذلك هو تعميق الإحساس بقضية فلسطين وبالوضع المأساوي الذي يعيشه الشعب الفلسطيني داخل المخيمات ما بعد الهزيمة ، وقد أخذنا الكاتب إلى المكان المناسب ليعود بنا إلى الذكريات القديمة ، إلى ( مخيم البقعة ) أحد أهم مخيمات اللجوء والطوارئ في الأردن .
حدد الكاتب التاريخ الزمني والمكاني لبناء جميع أحداث الرواية من خلال سيرة هذا المخيم الذي طوي عليه الزمن بعد أن فقد حقه في الحياة الكريمة والوجود . وما زالت هذه السيرة ملازمة وملتصقة مع كل فرد عاش في تلك المخيمات ، وقد وفق المؤلف باختيار المكان لأن له تجارب ومشاهدات عاشها واستقاها من الواقع الذي يحيط به ، وبذل جهداً كبيراً في تدوين محطات ومواقف وذكريات تحاكي مأساة اللجوء في داخل مخيم البقعة منذ نشأته الأولى .
بدأ الكاتب روايته بالحديث عن حالة المخيم منذ نشأته الأولى ، حيث حدد موقع المخيم ومساحته ، وبين دور وكالة الغوث في اختيار أرض المخيم ، وأظهر الدور الكبير التي لعبته هذه الوكالة العالمية في توزيع وحدات سكنية في المخيم ، وتمنح خيمة لكل عائلة . وقد دعم الكاتب روايته ببعض المشاهد التي توضح طبيعة الحياة اليومية لحياة المواطن تحت ظل الخيمة .
وتحدث الكاتب بوضوح من خلال سرد بسيط عن كيفية تطور المخيم وانتقاله من حالة الخيمة الممزقة إلى حالة أخرى أكثر سواداً من الخيمة ، وهي غرفة الزينكو والتي أطلق عليها أهل المخيم لقب ( البراكية ) . وهي غرفة من المفروض أن تخفف من معاناة الفرد الذي يعيش تحتها ، ولكن كل من عاش وشاهد البراكية يعرف تماماً أن هذه البراكية زادت من عمق المأساة ، وقد وصفها الكاتب بين السطور بأنها عبارة عن ألواح جاهزة للبناء مصنوعة من مادة الإسبست …
ـ “بقيت الغرفة في المخيم على اختلاف شكلها ( طوب أو زينكو أو براكية بقيت ذات مضمون واحد ، هي المسكن والمأكل والمنام والحمام والمطبخ والمكتب وغرفة الضيوف” .
هكذا اقترب الكاتب من دائرة الواقع في وصف حالة المخيم وتصوير الحياة الإنسانية فيه ، وأوجز جزءا من حياة المخيم ومراحل تطوره والتي جاءت ( بفعل الظروف والحاجات الإنسانية الملحة ) كما يقول الكاتب …
ـ “أضحى المخيم صورة مصغرة لفلسطين ومسرحا لأحلام مسروقة ، وعلى ضيق بقعة أرض المخيم ، إلا أنها اتسعت لأحلام الجميع ، كان الحلم الأجمل في تاريخ المخيم هو العودة “.
ترسخ في ذهن الكاتب الكثير من الأمور والمواقف الذي عبر عنها بصدق وإحساس ، ولذا نجد أحكامه على تلك الفترة الزمنية كان لها صلة وثيقة بالحياة الاجتماعية والثورية داخل المخيمات بعد نكسة عام 1967 . وقد سجل فيها كل ما يجري من تحولات سواء في تطوير المخيم أو في الرابط القوي الذي يربط أبناء المخيم مع المقاومة الفلسطينية التي تفجرت قبل النكسة بسنتين ، وازداد حضورها داخل المخيمات بعد النكسة .
وذهب الكاتب بنا إلى تفاصيل أخرى تتحدث عن التفاعل والإحساس المبكر من أطفال فلسطين الذين يعيشون داخل المخيم تجاه معسكرات الثورة ، والتي فتحت أبوابها في ذلك الوقت للتدريب . ثم أبرز لنا الكاتب جانباً آخر من تعاطف المخيم تجاه معسرات الثورة ، وقد سجل فيها الكثير عن التحاق أشبال وزهرات فلسطين بتلك المعسكرات تعج بهؤلاء الاشبال وبالفدائيين الذين التحقوا بركب الثورة.
وقد تجلت الواقعية والحقيقة عند الكاتب ، عندما أظهر إحساس الفدائي بواقعه المؤلم وانتقاله من حياة الخيمة إلى حياة الثورة ، والتي تمثلت في الدور الكبير الذي لعبه الفدائي في معركة الكرامة ، المعركة التي لم يتجاهلها الكاتب في أوراق روايته …
ـ “حيث شكلت معركة الكرامة منعطفاً هاماً في حياة الفلسطيني ، ونقلت أحلامه من حالة السر إلى العلن ، بعد أن استطاعت نقله من حياة الخيمة واللجوء إلى حياة النضال والثورة” .
ـ “شكلت الكرامة اللحظة الفارقة التي ينتظرها المارد كي يخرج من القمم ، فمنها برز دور الفدائي المقاتل ، وفيها أبدع الأهالي بتحمل شتى أصناف القهر والتجويع والخصار والتغلب عليه ، وكان للأطفال الدور الأثير في هذا المجال” .
وراح الكاتب يرسم لنا صورة أخرى رافقت الوجود الثوري في المخيمات وهو ظهور الإذاعة الفلسطينية التي عرفت في ذلك الوقت بصوت العاصفة . وهي الإذاعة التي خاطبت وجدان وأحاسيس الجماهير الفلسطينية بأناشيدها الثورية والأغاني الوطنية ، وقد اقترب صوت العاصفة في ذلك الوقت من صوت الجياع ، وصوت الكثير من اللاجئين الفلسطينيين المشردين . والحقيقة ان صوت هذه الإذاعة لم يأتي عبثاً ، بل وصل صوتها إلى كل الفلسطينيين في مخيمات اللجوء في الشتات ، بما فيها الداخل الفلسطيني المحتل .
واذا كانت القضية الفلسطينية قد دفعت بالكثير من الكتاب والشعراء في التحدث عن الكفاح والثورة ، فالإذاعة الفلسطينية صار لها دور كبير في رفع معنويات المقاتل الفلسطيني ، واصبح الفلسطينيون يتطلعون اليها على أنها ليست مجرد إذاعة فقط ، بل هي ثورة أخرى جاءت لتشحن الغضب وتطالب الفلسطيني بشد السواعد وحمل البندقية ، وبالرغم من الدور الكبير الذي لعبته هذه الإذاعة إلا أنها انتهت مع مرور الزمن …
ـ “كانت الإذاعة تصدع بتلك الأغاني التي تلهب الأحاسيس وتؤجج المشاعر ، كانت تلك الأغاني كفيلة بتنظيم أي شخص وتأطيرة ، وأن يصبح جاهزا لأي عملية فدائية أو دورية عسكرية ، كانت تلك الأغاني بيانا ثوريا وبنيانا وطنيا لا تكل منه ولا تمل” .
ـ “مع الأيام خفت بريق الإذاعة وأخذت تعاني من قلة مريديها ومستميعها ، وظهر منها كل ما يكشف عورتها وسوءتها وتبعيتها ، وتاهت الإذاعة في بحر الولاء لنظام الأسد ، فخسرت فلسطينيتها وبحرها الذي تعيش ونعيش فيه” .
حاول الكاتب أن يتناول حركة الواقع في داخل المخيم وخصوصيته ، وفقدان العادات والتقاليد القديمة واستبدالها بالعادات الجديدة ، وتحدث عن الروتين الجديد الذي فرض على الجميع في المخيم والذي أوجد شلالا دافقا من الأمل والحنين للعودة ، ولكن هذا الأمل رافقه يأس لدى البعض ، وقد كشف لنا الكاتب كم من التناقضات في المواقف ، وهنا وضعنا أمام تفكك الكثير من الأفكار لدى الناس في المخيم . وهو تعبير عن الحالة النفسية السيئة التي أوقعتهم في هذه التناقضات ، فمنهم من كان لديه الأمل وينتظر الغد أن يأتي ( بكرة ) . ومنهم من زعزعته النكسة واصابه اليأس ولا يستعجل الغد ، ولكنه ما زال محبا لفلسطين كما يقول الكاتب …
ـ “كان لا يستعجل الغد ولا يحب أن يسميه بكرة ، كان دائما يقول بعد ما طلعنا من فلسطين مفيش بكرة مفيش زفت ، احنا انتكبنا واللي صار صار ، إحنا تبعين المخيم إحنا أولاد مخيمات ، عارفين شو يعني ولاد مخيمات ، عارفين شو يعني ، ولا لسا مفهمتوش” .
وما كادت الحياة تتنفس داخل المخيم إلا ومضى الكاتب بمسايرة الحدث في نفس الصفحات لينقلنا إلى حالة إنسانية أوقفتني أنا كقارئ ، وهي حالة أم هشام التي تصارع الموت وتنتظر قدوم الخلاص … وضعنا الكاتب أمام شخصية مهزومة ومشحونة بالقهر والإحساس بالغربة ، وهي تشبه الكثير من نساء المخيم ، وقد نجح المؤلف بأن يضع إلا في مقابر القرى المجاورة للمخيم ، ومع تطور الحدث وضعنا الكاتب أمام الابن البكر لهذه السيدة الذي كان يبحث عن قبر ليدفن به والدته ، ولكنه كان عاجزاً عن فعل أي شيء لأمه المريضة التي تصارع الموت …
ـ “كانت تقول وتردد دائما لم نأتي إلى هنا لنموت هكذا ، وماتت .. ومن بعدها تأسست مقبر المخيم” .
ماتت أم هشام وهي تدرك حقيقة المخيم ومأساته التي أرغمتها على الموت ، وكما تمنت أم هشام قبراً تدفن به بعد الموت ، كانت تتمنى مسكن نظيف تعيش فيه بدلاً من بؤس الخيمة قبل الموت ، لا شك ان حالة أم هشام التي صاغها الكاتب في الرواية لم تكن صورة مزيفة وخيالية ، بل هي الصرخة التي جاءت من بين الأحياء الذين يموتون كل يوم ألف مرة في المخيم ، انه موت الأحياء ( تحت ظل الخيمة ) … أم هشام هي المرأة الفقيرة التي انتظرت ( بكرة ) انتظرت الغد حتى يأتي ، ولكنها ماتت وكان صوتها صوت الفقراء الذين دفعوا غاليا ثمن الهزيمة …
ووسط كل هذا الزخم من الموضوعات نقلنا الكاتب من الواقع الاجتماعي الحزين ، واقع التشاؤم القادم من ظل الخيمة إلى عالم فيه امل بعد القنوط ، فيه رؤى وأحلام جديده ليست خيالية إنها قريبة الصلة بالواقع ، بل هي الواقع الحقيقي الذي تخطى حدود معسكرات التدريب إلى التحام أبناء المخيمات مع الثورة والمقاومة ، وإذا كانت مأساة اللاجئين فاجعة فلا بد أن يكون نضال أهلها ملحمة كبيرة من أجل العودة .
كان الكاتب قد بين لنا بين السطور عنصر التلاحم ما بين أبناء المخيم والمقاومة ، وهذا التلاحم ساعد على رسم خط لجيل جديد من الصبيان الذين تجمعوا في معسكرات التدريب من أجل الثأر والانتقام من العدو الغاصب الذي شردهم من الوطن ، وتناول خلال سرده سيرة القيادات الفلسطينية وزيارتهم المتكررة إلى معسكرات الثورة وعلى رأسهم أبو عمار ، فقد وجد الكاتب في سيرة هؤلاء القادة سيرة تستحق أن تكتب ، على اعتبار أنهم كانوا عنصراً مشجعاً وداعم لكل الجماهير الفلسطينية التي تؤمن بالبندقية …
ـ “هذه الجماهير القادمة من ظل الخيمة أصبحت تؤمن أن بكرة لن يأتي إلا تحت ظل البندقية” .
يبدو أن جرأة الكاتب على طرح موضوعاته الأولى من الرواية قد أخذت حيزاً كبيراً فيها ، وقد حصرهم الكاتب في قضيتين أساسيتين :
الأولى : هي سيرة المخيم وقد تجلت في وعيه من خلال إحساسه بواقع مأساة اللاجئين الذين يعانون من الجهل والفقر والقهر والضياع والذي أخضعه ( لواقع الخيمة ) والتي أصبحت عنواناً للإنسان الفلسطيني في المنفى . وأطلق عليه الكاتب اسم ( تحت ظل الخيمة ) .
الثانية : هي سيرة الثورة ومعسكرات التدريب المحيطة بالمخيمات ، إلى أن أوصلنا إلى مرحلة العمل الثوري المباشر والذي أطلق عليه الكاتب لقب ( تحت ظل البندقية ) . ولكن هذا التعاطف الكبير بين أبناء المخيم ومعسكر الثورة المحيط به لم يدم طويلاً ، فقد هزته مأساة أخرى مع نهاية العمل الثوري في المخيم .
وعلى ما يبدو أن الكاتب اختصر علينا المشوار الطويل فوضعنا أمام طرح مختصر لنهاية العمل الثوري في المخيم ، وعلى القارئ أن يستجيب للواقع الجديد الذي ينطوي على كثير من الحسرة والحزن واليأس والألم ، خاصة أن معسكر التدريب المحيط بالمخيم حل مكانه ( خمارة ) ، وصارت مقصدا لأطفال المخيم من أجل جمع زجاجات الخمرة الفارغة حتى يتسنى لهم بيعها لمطاعم المخيم ، تلك الزجاجات كانت وسيلة لحفظ الزيوت في الكثير من المطاعم …
ـــ “نحن الذين تمنينا أن لا نكبر … وأن لا نرى مكان المعسكر خمارة”.
لعل الكاتب كان صادق الدلالة عندما طرح الكثير من القصائد والأناشيد التي أخذت حيزاً كبيرً في الرواية ، وكان من نتيجة ذلك أن منح القارئ جرعة من الانفعالات والأحاسيس ، جميعها كانت مرتبطة بمضمون الرواية وهي جزء من الحالة الفلسطينية وتاريخها ، فالمتابعة التاريخية عند الكاتب ليست مجرد تنمية للأحداث ، بل هي متعددة الأنماط والاتجاهات .
لذلك حرص على أن يتحدث عن رموز إعلامية وثقافية ويضيفها إلى الرواية ، وهي شخصيات مهمة كان لها دور كبير في نشر الثقافة والوعي لدى الفلسطينيين . وكانت سيرة هؤلاء في رواية مهند الأخرس موضوع بحث يستحق منا الوقوف عندها ، فقد تحدث عن ماجد أبو شرار رجل السياسة والأدب والإعلام الفلسطيني ، وهو المناضل والمفكر والكاتب الثوري الملتزم ، ثم تحدث في صفحات أخرى عن الشاعر والثائر والمقاتل معين بسيسو صاحب الأعمال المسرحية والنثرية ، وتحدث عن معاذ الحاج رسام كاريكاتير فلسطيني من غزة .
لا شك ان ما طرحه الكاتب عن هؤلاء المثقفين هو بمثابة وعي مستمد من تاريخنا وماضينا ، ولذلك وضعنا أيضاً أمام سيرة الشاعر الفلسطيني الكبير هارون هاشم رشيد ، ونشر بعض القصائد له ، وهذا لا يقلل من قيمة الرواية بل هو عمل فني متكامل يحفل باللمسات الواقعية ويضيف للرواية أشياء كثيرة ، خاصة أن الأديب والشاعر هارون هاشم رشيد جمع بين القلم ومسيرته الوطنية ، فكانت رسالته لها دور كبير في خدمة القضية الوطنية الفلسطينية ، والحقيقة أن سيرة هذا الشاعر تستحق منا الوقوف عندها ، وأن ننقل ما سجله الكاتب في سيرة هذا الشاعر العظيم …
ـ “غادرنا شاعر العودة وقد أثرى المكتبة العربية بنحو 20 ديوانا ، وعدد كبير من الدراسات الثقافية والأعمال الروائية والمسرحيات الشعرية والمسلسلات الإذاعية ، ونحو 90 قصيدة مغناة بأصوات عمالقة الغناء العربي ، كقصيدة ( أنشودة العودة ) محمد فوزي … ( فلسطين ) كارم محمود … ( أحبك يا قدس ) محمد قنديل … ( قصة ) فايدة كامل … ( جراح القدس ) طلال مداح . لكن تبقى قصيدتي ( سنرجع يوما ) و ( جسر العودة ) الأكثر انتشاراً مع لحن الرحابنة الراسخ في الذاكرة وصوت فيروز الملائكي” .
في الواقع هناك بعض الموضوعات تستحق منا الوقوف عندها ، وهي تحتوي على مواقف من الممكن أن تشدك وأنت تقرأها ، وكان الكاتب قد جعلها تتحرك في إطار زمني غير محدد ، حيث ربط الحاضر مع الماضي ، وحاول في آخر الرواية أن ينقل إلى القراء حقيقة ذات قبول عام من أبناء الشعب الفلسطيني . فقد وجد في سيرة الشهداء وزيارة مقابر الشهداء الذين استشهدوا في السنوات الماضية موقف مشرف ، يعمق الإحساس بقضية المخيم بشكل خاص ، وقضية فلسطين بشكل عام ، فقد زار المؤلف وأصدقائه مقبرة الشهداء في ( مخيم البقعة ) وذكرهم الكاتب بالإسم في احد صفحات الرواية ، ثم بعد ذلك زار مقبرة الشهداء في الوحدات ، واذا نظرنا إلى هذا الموقف فهو تعبير عن الحالة العاطفية من أبناء المخيمات تجاه هؤلاء الشهداء .
وقد أدرك الكاتب بإحساسه الصادق أن الذاكرة لن تخون ، وأن ما وراء هذه التجربة الكثير من المعاني العميقة والروابط الخفية ما بين الأحياء والأموات ، فقد نجح في سرد هذا المشهد ، فالموقف كان مؤثر ويصعب على القارئ رصد كل دقائقه ولحظاته .
على كل حال هناك الكثير من التفاصيل التي أوردها الكاتب في سيرة المخيم ، وقد تناول الكثير منها من جوانب مختلفة ، واستمد خيوط الرواية من الواقع في محاولة منه أن ينقل إلى القراء حقيقة الكثير من السير التي لها ارتباط بالمخيم ، وجميعها لم تكن بعيدة عن الواقع ، فاختار الكاتب من الشواهد الكثير الكثير … فقد تحدث عن سيرة الخيمة والبراكية وعبر عن الحالة النفسية التي كان يعاني منها أبناء المخيم تحت ظل الخيمة … وقدم إلى القارئ سيرة المؤن وهو مركز لتوزيع الغذاء من السكر والزيت والطحين وغير من المواد التموينية التي كانت تقدم لأهل المخيم … كما تحدث عن سيرة الأسواق التجارية التي فتحت أبوابها منذ نشأت المخيم … وقال الكثير في سيرة المخابز ومطاعم وكالة الغوث والتي كان لها العديد من مراكز التوزيع المتفرقة في كل أنحاء المخيم ، وهي المسؤولة عن توزيع وجبات الطعام لطلاب المدارس .
وأسعدنا الكاتب كثيراً عندما تحدث عن مدارس وكالة الغوث ونظام التعليم فيها ، وجاء بسيرة الطلاب وعلاقتهم بالمعلمين الذين كان لهم دور كبير في صقل وتعليم الطلاب في تلك الفترة ، وتوسع في الحديث عن جبروت وقوة المدراء في مدارس وكالة الغوث … وقدم لنا أيضاً سيرة عيادات الوكالة والصحة العامة ، وهي المسؤولة عن تطبيب وعلاج أبناء المخيم … ثم توفرت لدى الكاتب رؤية قدمها لنا في الرواية ، وهي وصفا كاملاً لسيرة الحنفيات وحمامات الوكالة المنشرة في أماكن متفرقة من المخيم ، وهي من الشواهد السيئة في تاريخ كل لاجئ عاش تجربة المخيمات ، حتى الكورة والأندية الرياضية في المخيم لم يغفل عنها الكاتب ، فقد نجح في أن يكتب عنها الكثير في الصفحات الأخيرة من الرواية .
أما الشخصيات ، فقد سمح الكاتب لنفسه بأن يبني شخصياته من الواقع ، وهي شخصيات إنسانية حقيقية مرسومة بإحكام وموجودة في المخيم ، ولعل أخطر ما يصادفنا في كل مراحل الرواية بروز أنماط اجتماعية وشخصيات حية وحقيقية ، وقد رسم الشخصيات بطريقة موضوعية ، وتم ذكرها بالإسم في الكثير من الصفحات ، وأهمها الأب والأم والجدة والجد والعمات ، والأعمام ، والأصدقاء ، ورموز أخرى أهمها المعلمين الذين كان لهم الفضل في تعليم كاتب الرواية ، ولم ينسى الكاتب ذكر الكثير من الأسماء الين كانوا لهم دور في بناء وتطوير السوق التجاري في المخيم .
ربما كان هناك الكثير من الموضوعات التي طرحها المؤلف في رواية تحت ظل الخيمة ، ولم يتم التعليق عليها ، ولكني اكتشفت من خلال الرواية أن اللجوء إلى التاريخ في كتابة أي رواية ليس بدعة … وتاريخنا الفلسطيني في المخيمات هو الماضي الذي نعتز به ونتذكره دائماً . وكثيراً ما ندق أبوابه . وإن ما يلفت النظر في السيرة التي طرحها مهند الأخرس أنها سيرة حقيقية تجلت في شكلها التاريخي ، فهي رواية واقعية خالية من الخيال أو التزوير بسبب جريانها في أحياء المخيم .
فالقصص التي جاءت في الرواية ، قيمتها تنحصر في صورها القصصية المتناثرة هنا وهناك ، وهي عامل فاعل ومحرض في بناء الرواية ، وتعتبر دليل على إحساس الكاتب بالقضية الفلسطينية والنكبة ، وقد كتبت بطريقة بارعة وأسلوب سهل وجميل ، جميعها كانت مشمولة بالرضى لكل قارئ عاش تجربة المخيمات ، خاصة أن أبطالها جميعهم كانوا من الناس العاديين والبسطاء والفقراء .
وثمة أمر آخر منح الرواية المرونة الزمنية ، حيث أن الكاتب اتخذ الأسلوب الروائي التقليدي الأقرب إلى الواقعية في طريقة السرد ، وأن الرواية لا تقوم في بنائها على التسلسل التاريخي للوقائع ، بل هي موضوعات متناثرة أيضاً ، وهذا لا يقلل من قيمة الرواية ، وقد نجح الكاتب في تشخيص الواقع الشعبي الفلسطيني البعيد عن الرمزية التي تعودنا عليها في الكثير من الروايات ، وقد كان بارعاً في كتابة الحوار الذي غلب عليه اللهجة الشعبية الفلسطينية من خلال اللجوء إلى بعض المصطلحات التي كان يتداولها أبناء المخيم .
أرجو أن أكون قد وفقت في إلقاء الضوء على بعض المواقف المهمة التي وردت في رواية تحت ظل الخيمة ، فالمجال لا يتسع لعرض كل ما جاء فيها . إلا أنني حاولت بقدر المستطاع أن أقف عند بعض الصفحات حتى يتسنى للقارئ الاستمتاع في قراءة الرواية لاحقاً. مع شكري واعتزازي للجهد الكبير الذي بذله الكاتب المبدع مهند الأخرس في هذه الرواية .







