قراءة نقديّة معاصرة للخطاب السلفي:

د. عدنان عويّد

 

 

تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾. (البقر – 23).

نقول: إذا كانت السلفية في منظور أهل “السنة والجماعة” تعني الرجوع إلى القرآن والسنة والإجماع وما قاله أو مارسه السلف الصالح في القرون الهجريّة الثلاثة الأولى, من أجل فهم حياة سلف الأمّة من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبالتالي فهي وفق هذا الفهم ليست مذهبا ولا حزبا ولا جماعة, وإنما هي فهم للدين الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وكان عليه صحابته والدعوة لتطبيقه. فالسلفيّة في المفهوم السوسيولوجي (علم الاجتماع), هي مسألة فكريّة تعبر عن مضامين اجتماعيّة وسياسيّة واقتصاديّة وثقافيّة وأخلاقيّّة وسيكولوجيّة, يسعى دعاتها دائماً إلى امتلاك الماضي وتمثله نزوعاً وجدانيّاً أقرب إلى الطبع. وللسلفيّة جذورها المعرفيّة والعمليّة التي تمتد إلى ما قبل الإسلام, (هكذا وجدنا آباءنا يفعلون.). ومع قدوم الإسلام, ومع مسألة الخلافة تحديداً, عندما سأل ” عبد الرحمن بن عوف” علي بن أبي طالب, يعد مقتل عمر بن الخطاب الذي حدد ستة رجالات من كبار الصحابة ومن لهم حضورهم الفاعل اجتماعيّاً وإسلاميّا لاختيار خليفة من بعده وهم: (علي بن أبي طالب ، عثمان بن عفان ، طلحة بن عبيد الله ، الزبير بن العوام ، سعد بن أبي وقاص ، عبد الرحمن بن عوف ) : ( هل أنت يا علي مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه, وفعل أبي بكر وعمر ؟. قال علي اللهم لا. ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي. ). فالتفت إلى عثمان فقال: ( هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه وفعل أبي بكر وعمر؟. قال اللهم نعم. ). (1).

ففي هذا النص نجد أول مرّة ما يعبر عنه بنص تاريخي أهميّة وجوب الأخذ بما أخذ به السلف مرجعاً مقدساً وهو (عمل أبي بكر وعمر) كعمل بشري لتثبيت حالة مستجدة آنذاك, وهي حالة تعيين أو اختيار خليفة للمسلمين, إضافة لاعتماد القرآن والسنة فيما بعد, حيث أصبح ملزماً ومصدراً للتشريع, وهذا الأمر ذاته وصل على يد الشافعي في نهاية القرن الثاني للهجرة إلى إلزام. وهو بذلك وضعنا في إشكاليّة لم تنته آثارها السلبية حتى اليوم, وهي  المقابلة بين التاريخ والنص, من خلال تنصيص أو قوننة التاريخ عند الشافعي في اعتبار أقوال وأفعال السلف مصدراً للتشريع والحكم.

إن هذه العقليّة تفهم اليوم كإشكاليّة بين عقليّة الماضي- الخبر, وعقليّة الاجتهاد – الحرية. أو بين مدرسة النقل ومدرسة العقل.

نعم …إن سطوة تاريخ ما قام به النبي والسلف الصالح اشتدّت حتى تحولت على يد الشافعي إلى مصدر إلزامي رسمي ومقنن (مقدس). حيث يقول الشافعي في الرسالة : ( لم يجعل الله لأحد بعد رسول الله أن يقول إلا من جهة علم مضى قبله. ). (2). فهنا يصبح الماضي عند الشافعي بصريح لفظه, جهة العلم الوحيدة في الإسلام, فلا يحل لجيل أن يحكم أو يفتي أو يفكر لنفسه, إلا أن يكون مستنداً إلى حكم فتوى أو فكر الأجيال السابقة عليه الذين حددوا بالقرون الثلاثة الأولى. أي أصبح الماضي هو المنطلق الوجودي والمعرفي لكل ما هو تل.

إنها سلطة الماضي إذن التي عاد الشافعي ليؤكدها  بقوله في كتاب الأم : ( لا يجوز لمن استأهل أن يكون حاكماً أو مفتيّاً أن يحكم ولا أن يفتي إلا من جهة خبر لازم.). أي الماضي. أي ( الإجماع والآثار والقياس). (3). فالماضي عند الشافعي هو جوهر الفكر السلفي, وما عداه هو محدثات من الأمور. يقول الشافعي : المحدثات من الأمور ضربان. أحدهما : ما ظهر من أمور تخالف كتاباً أو سنة أو إجماعاً أو أثراً, فهذه هي البدعة الضلالة .). (4).

هذا ويعتبر كل من (ابن حنبل المتوفى عام 248هـ, وأبو الحسن الأشعري المتوفى 324هـ, وأبو حامد الغزالي المتوفى 505,) بعد الشافعي المتوفى سنة 205هـ. هم من جذر الفكر السلفي الأصولي. فإذا كان “الشافعي” قد أسس المنهج الفقهي السلفي بوضعه الأصول الأربعة كمرجعيّة قانونيّة وشرعيّة للتشريع وهي : القرآن والحديث والإجماع والقياس. فإن “ابن حنبل”, مثل الأنموذج المثالي لمنهجية الخبر السلفيّة, و”أبو حسن الأشعري”, هو من أصل السلفيّة من حيث العقيدة.  عندما حاول إقحام العقل بشكل خجول في التشريع وتفسير بعض قضايا العقيدة. أما “أبو حامد الغزالي” فهو من فتح الحدود ما بين الفلسفة والتصوف والمنهج السلفي بشكل تلفيقي عند تبنيه للتأويل والمعرفة أللدنية.

الصراع السياسي على السلطة ودوره في إنتاج وبلورة الفكر السلفي الجبري:

الجذر السياسي  للجبر في العصر الأموي :

لقد كان لمسألة الصراع الدائر على السلطة ما بين الأمويين بقيادة “معاوية, وبين علي بن أبي طالب, حيث حول الأمويون الخلافة الإسلاميّة إلى ملك عضوض, واعتبروها أمرأ مقدراً من قبل الله سبحانه وتعالى يعطيها لمن يشاء ويأخذها ممن يشاء, وهم بهذا يكونوا قد خالفوا مسألة “الاختيار” لمنصب الخلافة من جهة, وواجهوا شيعة علي بن أبي طالب الذين قالوا إن الخلافة جاءت بالوصيّة بناءً على حديث (الغدير) من جهة ثانية. ولتمرير هذا التحول الأموي في مسألة الخلافة, اتكأ الخلفاء الأمويون على كل من وقف إلى جانبهم من الفقهاء ورجال الدين الذين برروا لهم تحويل الخلافة إلى ملك عضوض, وراحوا يناصبون العداء لكل من وقف ضدهم. ولكون النص الديني (القرآن) كان هو المرجع الأساس لكل القضايا الإشكاليّة التي كانت تتعرض لها الأمّة آنذاك, فقد راح رجال الدين لكلا الطرفين الموالي للسطلة والمعارض لها, يبحث عن الأدلة الشرعيّة في النص المقدس من أجل تبرير موقف صاحبه. ومن هذا المنطلق بدأت تظهر على الساحة الدينيّة قضية الصراع ما بين تيارين فكريين هما: (التيار الجبري والتيار القدري). ففي الوقت الذي تجد في القرآن آيات تبرر الجبر. تجد أيضاً فيها ما يبرر القدر. وهذا ما جعل “على بن أبي طالب” يقول في صفين عندما رفعت المصاحف لتحكيم كتاب الله: (إن القرآن حمال أوجه).

لقد طُرحت قضيّة الحريّة تحت مسمى القدر, على يد المعتزلة عموما, وعلي يد كل من “معبد الجهني المقتول سنة 80هـ.” و”غيلان الدمشقي المقتول سنة 99هـ.” و”الجعد بن درهم, المقتول سنة 120هـ.” حيث انتصر هؤلاء الثلاثة لمبدأ الحريّة الإنسانيّة, ومواجهة السلطة الأمويّة التي كانت تقول بالجبر, فقالوا : ( إن العبد هو الفاعل للخير والشر والإيمان والكفر والطاعة والمعصية. وهو المجازى على فعله, والله تعالى هو من أقدره على ذلك. ). وبالتالي أرادوا من هذا الطرح كما قلنا مواجهة الأمويين الذين برروا استلامهم للسلطة وما ينتج عنها من مفاسد بأن استلامهم للخلافة هو أمر مقرر من عند الله ولا رادٍ لقدره.0 فدفعوا حياتهم ثمناً لموقفهم هذا. (5).

إذنُ لقد جاء هذا الطرح (القدري) رداً على السلطة الأمويّة التي كانت تطرح فكرة الجبر صريحة, لتبرر تحتها مظالم الحكم ومفاسده الشائعة, فضلاً عن تبرير شرعيّة وجودها أصلاً باعتبار ذلك وكأنه قضاء وقدر من عند الله. فهذا هو “معاوية بن ابي سفيان” قد بدأ الجبر السياسي عنده مبكراً منذ صفين حيث خاطب جيشه في تلك المعركة قائلاً : ( وقد كان فيما قضاه الله أن ساقتنا المقادير إلى هذه البقعة من الأرض ولقت بيننا وبين أهل العراق ونحن من الله بمنظر, وقد قال الله سبحانه وتعالى : ” ولو شاء الله  ما اقتتلوا. ولكن الله يفعل ما يشاء”.). (6). وعند تولية “يزيد” الخلافة قال: ( الحمد لله الذي شاء صنع. من شاء أعطى ومن شاء منع ومن شاء خفض ومن شاء رفع.). (7). وهذا “الوليد بن يزيد” يقول : ( وكان أمير المؤمنين بمكان من الله حاطه فيها حتى أزره بأكرم مناطق الخلافة, فقام بما أراه الله له أصلاً ونهض مستقلاً بما حمل منها مثبته ولايته في سابق الزبر بالأجل المسمى خصه الله بها على خلقه. ). (8). أما “عبد “الملك بن مروان” فيقوم بقتل منافسه “عمرو بن سعيد” ويأمر برأسه أن يطرح إلى أنصاره من أعلي القصر, ثم يهتف عليهم الهاتف ينادي : (إن أمير المؤمنين قد قتل صاحبكم بما كان من القضاء السابق والأمر النافذ.).(9).

إن هذا الموقف الجبري السلفي, ظفر بموقف وموافقة الفقهاء من أهل الحديث في عهد الأمويين  ضد من انتصر للعقل وقضية العدل وحرية الإرادة. حيث  نجده عند (عبد الله بن عمر . وجابر بن عبد الله. وأبي هريرة. وابن عباس. وانس بن مالك. وعبد الله بن أبي أوفى. وعقبة بن عامر الجهني وأقرأنهم. وقد وصوا أخلافهم بأن لا يصلوا على القدريّة ولا يصلوا جنائزهم, ولا يعودوا مرضاهم. ) (10). كما نجد هذا الموقف السلفي الجبري وضرورة القول به عند كل من :

1- ابن عباس, كان يقول:  (عليكم بالاستقامة والأثر, وإياكم والبدع.)

2-  الشعيبي, كان يقول: ( عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس, وإياك وآراء الرجال وإن زغرفوها  لك بالقول, وما حدثوك به عن أصحاب رسول الله فخذه, وما حدثوك به عن رأيهم فانبذه في الحس.).

3- الوازعي, كان يقول : ( قف حيث وقف القوم واسلك سلفك الصالح فإنه يسعك ما وسعهم, وقل بما قالوا, وكف عما كفوا.

 

كاتب وباحث من سوريا.

[email protected]

___________________________

1- الطبري تاريخ الأمم  والملوك– الجزء الثالث –ص301.

2- السلطة في الإسلام- عبد الجواد ياسين – المركز الثقافي العربي – الدار البيضاء- 1998-   ص 68.

3-  الأم – دار المعرفة بيروت- المجلد الرابع- ج7- ص299 .

4- ابن القيم – أعلام الموقعين- مكتبة الكليات الأزهري- ج1- ص333.ولو كان هذا خيراً ما خصصتم به دون أسلافكم . ). (49).

5- الشهرستاني – الملل والنحل – مكتبة السلام العالمية- ج1- ص 54

6- السلطة في الإسلام – عبد الجواد ياسين – المصدر السابق. ص132.

7- المرجع نفسه ص 132.

8- المرجع نفسه. ص132.

9- المرجع نفسه. ص132.

10- السلطة في الإسلام – عبد الجواد ياسين – مرجع سابق- ص 133.