قرارات الضم الإسرائيلية: تصعيد استعماري ينسف القانون الدولي ويهدد الاستقرار الإقليمي

بقلم :م.محمد علي العايدي

تشكل القرارات الأخيرة التي أقرها المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر بشأن الضفة الغربية تطورًا بالغ الخطورة في مسار الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، وتكشف عن انتقال حكومة الاحتلال من سياسة إدارة الاحتلال إلى مرحلة تثبيت الضم كخيار استراتيجي دائم. فهذه القرارات ليست مجرد إجراءات سياسية أو إدارية، بل تمثل محاولة واضحة لفرض واقع استعماري جديد يستهدف الأرض الفلسطينية والوجود الوطني للشعب الفلسطيني.

إن إدانة الرئاسة الفلسطينية لهذه الخطوات تأتي في سياق التحذير من تداعياتها الكارثية، إذ إن الضم يعني عمليًا مصادرة مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية، وتسريع وتيرة الاستيطان، وتكريس السيطرة الإسرائيلية على الموارد الطبيعية والمعابر والحدود. وهذا التصعيد غير المسبوق يستهدف الوجود الفلسطيني وحقوقه التاريخية والوطنية، ويهدف إلى تفكيك الجغرافيا الفلسطينية وتحويلها إلى تجمعات سكانية معزولة بلا سيادة سياسية أو اقتصادية.

كما أن هذه القرارات تمثل تنفيذًا عمليًا لمخططات التهجير القسري، سواء عبر الطرد المباشر أو عبر سياسات التضييق الممنهجة التي تشمل سحب الأراضي، وهدم المنازل، ومنع البناء، وفرض القيود الاقتصادية والأمنية، وهي سياسات ترقى إلى جرائم حرب وفق اتفاقيات جنيف الرابعة لعام 1949، ولا سيما المادة 49 التي تحظر نقل سكان دولة الاحتلال إلى الأراضي المحتلة أو تهجير السكان الأصليين منها.

وتخالف قرارات الضم بشكل مباشر الاتفاقيات الثنائية الموقعة، وعلى رأسها اتفاقيات أوسلو، كما تنتهك قرارات مجلس الأمن الدولي، بما في ذلك القرار 242 لعام 1967 الذي يؤكد عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة، والقرار 338 لعام 1973، والقرار 2334 لعام 2016 الذي أكد عدم شرعية المستوطنات وطالب بوقفها فورًا. كما تتعارض هذه الخطوات مع الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية لعام 2004 بشأن جدار الفصل العنصري، والذي أكد عدم قانونية الإجراءات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة.

إن ما يجري اليوم في الضفة الغربية يشكل محاولة واضحة لتصفية حل الدولتين وفرض نموذج الدولة الواحدة بنظام فصل عنصري، حيث تُمنح الحقوق السياسية والقانونية للمستوطنين الإسرائيليين وتُسلب من السكان الفلسطينيين الأصليين، في نموذج يعيد إلى الأذهان أنظمة الأبارتهايد التي أدانها المجتمع الدولي في القرن الماضي. ولا تقتصر خطورة هذا المسار على الفلسطينيين وحدهم، بل تمتد لتقويض الاستقرار الإقليمي ونسف أي أفق سياسي للحل السلمي، وفتح الباب أمام موجات جديدة من التوتر والعنف وعدم الاستقرار في المنطقة.

ويأتي هذا التصعيد في ظل صمت دولي مريب وعجز المجتمع الدولي عن اتخاذ خطوات رادعة تضمن احترام القانون الدولي، ما يشجع حكومة الاحتلال على المضي قدمًا في سياساتها التوسعية. وفي المقابل، فإن المرحلة الراهنة تتطلب موقفًا فلسطينيًا موحدًا يعزز الجبهة الداخلية، وتحركًا دبلوماسيًا وقانونيًا واسعًا في المحافل الدولية، بما في ذلك تفعيل المسار القضائي أمام المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، إضافة إلى دور عربي وإسلامي فاعل يتجاوز بيانات الإدانة إلى خطوات عملية سياسية واقتصادية ضاغطة على الاحتلال.

إن قرارات الضم الإسرائيلية تمثل إعلانًا عمليًا للحرب على السلام وعلى القانون الدولي، وتؤكد أن الاحتلال يسعى إلى فرض واقع استعماري دائم بالقوة، متجاهلًا إرادة المجتمع الدولي وحقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف. ومع ذلك، فإن الشعب الفلسطيني، رغم كل التحديات، سيواصل تمسكه بأرضه وحقوقه الوطنية والتاريخية، وسيبقى نضاله مشروعًا حتى إنهاء الاحتلال وتحقيق الحرية والاستقلال وإقامة دولته المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس الشرقية.